كتاب كليلة ودمنة

شاطر

شـريـف
مؤسس المنتدى
مؤسس المنتدى

ذكر
مصر

عدد المشاركات :: 7336

تاريخ التسجيل :: 07/05/2010

قصة كتاب كليلة ودمنة

مُساهمة من طرف شـريـف في 6/7/2011, 5:59 pm


عرض كتاب كليلة ودمنة

ابتداء كليلة ودمنة, هو مما وضعته علماء الهند من ضرب الأمثال والأحاديث التي التمسوا أن يدخلوا فيها أبلغ ما يجدون من القول في النحو الذي أرادوا. ولم تزل العلماء من كل ملة وأهل كل لسان يلتمسون أن يعقل عنهم ما بنوا لذلك بصنوف من الحيل ويبتغون في إخراج ما عندهم من العقل حتى كان من تلك الحيل وضع بليغ الكلام ومتقنه على أفواه البهائم والطير، فاجتمع لهم بذلك خلال. أما هو فوجدوا منصرفاً في القول وشعاباً يأخذون فيها، وقد جمع هذا الكتاب لهواً وحكمة فاجتباه الحكماء لحكمته والسخفاء للهوه. فأما المتعلمون من الأحداث وغيرهم فنشطوا لعلمه وخفّ عليهم حفظه. فإذا خال الحدث واجتمع له الفعل وتدبّر المتدبر ما كان مما صار مقيداً مريوباً في صدره، وهو لا يدري ما هو عرف أنه قد ظفر من ذلك بكنوز عظام، فكان كالرجل الذي يدرك حين يدرك فيجد أباه قد كنز له كنوزاً من الذهب وعقد له عقدا استغنى به عن استقبال السعي والطلب. ولم يكن إذ كنزت صنوف أصول العلم ثم كثرت فروع كل صنف منها حتى لا يستكمل منها شيء تدبّر أن يكنز العلل التي تجري عليها أقاويل العلماء.

فمن قرأ هذا الكتاب فليعرف الوجه الذي وضع عليه ولا يكن همه بلوغ آخره ليعرف إلى أية غاية يجري مؤلفه فيه، وأي شيء يخشى منه عندما نسبه إلى البهائم وأضافه إلى غير مفصح وغير ذلك من الأوضاع التي جعلها مثالاً وأمثالاً. فإن قارئه متى يفعل ذلك ولم يدر ما أريد بتلك المعاني ولا أي ثمرة يجتنى منها ولا أية نتيجة تحصل له من مقدمات ما يصفه هذا الكتاب، فإنه ولو استتم قراءته إلى آخره دون معرفة ما يقرأ منه، لم يعد عليه شيء يرجع إليه نفعه.

مقدمة كليلة ودمنة
لعلي بن الشاه الفارسي

أما بعد فهذه مقدمة نذكر فيها السبب الذي من أجله عمل بيدبا الفيلسوف الهندي رأس البراهمة لدبشليم ملك الهند كتابه الذي سماه كليلة ودمنة وجعله على ألسن البهائم والطير صيانة لغرضه الأقصى فيه من العوامّ، وضنّاً بما ضمنه عن الطّغام، وتنزيهاً للحكمة وفنونها ومحاسنها وعيونها، إذ هي للفيلسوف مندوحة، ولخاطره مفتوحتة، ولمحبيها تثقيف ولطالبيها تشريف، ونذكر السبب الذي من أجله أنفذ كسرى أنو شروان ملك الفرس برزويه رأس الأطباء إلى بلاد الهند لأجل كتاب كليلة ودمنة وما كان من تلطف برزويه عند دخوله إلى الهند حتى وقع على الرجل الذي استنسخه له سراً من خزانة الملك ليلاً مع ما وجد من كتب علماء الهند، ويجيئه بالكتاب مع الشطرنج التامة التي كانت عشرة في عشرة. ونذكر مقدار فضيلته ونخص أهل اقتنائه على الالتفات إلى دراسته والمداومة على فراسته وفيما ضمّن من فوائده ومنافعه ويرى أنها أفضل من كل لذة صرفت إليها همته والنظر إلى باطن كلامه وأنه إن لم يكن كذلك لم يحصل على الغاية منه. ونذكر حضور برزويه وقراءة الكتاب جهراً والسبب الذي من أجله وضع بزرجمهر ابن البختكان مقدمة في أصل الكتاب وهو باب مفردٌ سماه باب برزويه المتطبب، ويذكر فيه شأن برزويه من أول أمره وأوان مولده إلى أن بلغ التأديب ورغب في التدين وأحب الحكمة وتفنن في أنانها وجعله قبل باب الأسد والثور الذي هو أول الكتاب.


تابع







شـريـف
مؤسس المنتدى
مؤسس المنتدى

ذكر
مصر

عدد المشاركات :: 7336

تاريخ التسجيل :: 07/05/2010

قصة رد: كتاب كليلة ودمنة

مُساهمة من طرف شـريـف في 6/7/2011, 6:00 pm

كتاب كليلة ودمنة

قال علي بن الشاه الفارسي: كان السبب الذي من أجله وضع بيدبا الفيلسوف الهندي لدبشليم ملك الهند كتاب كليلة ودمنة أن الإسكندر ذا القرنين الرومي لما انتصر على الملوك الذين كانوا بناحية المغرب سار يريد ملوك المشرق من فرس وغيرهم. فلم يزل يحارب من نازعه ويواقع من واقعه ويسالم من وادعه من ملوك الفرس وهم الطبقة الأولى حتى ظهر عليهم وقهر من ناوأه وتغلب على من عاداه فتفرّقوا طرائق، وتمزقوا خرائق، فتوجه نحو بلاد الصين فبدأ بملك الهند ليدعوه إلى طاعته والدخول في ملته وولايته. وكان على الهند في ذلك الزمان ملك ذو سطوة وبأس ومنعة ومراس يقال له فُورَك. فلما بلغه إقبال ذي القرنين نحوه تأهب في التألب عليه، وجمع له العدة في أسرع مدة من الفيلة المفرزة للحروب، والسباع المضرّاة للوثوب مع الخيل المسوّمة، والرماح المقوّمة، والسيوف القواطع، والحراب اللوامع.

فلما قرب ذو القرنين من فورك الهندي وبلغه ما قد أعدّ له من الخيل، التي كأنها قطع الليل، مما لم يلقه بمثله أحد ممن كان يقصده من الملوك الذي كانوا في الأقاليم تخوّف من تقصير يقع به إن عجّل المبارزة.

وكان ذو القرنين رجلاً ذا حيل ومكايد مع حسن تدبير وتجربة فرأى بعد إعمال الحيلة التأهب والترفق. فاحتفر خندقاً على عسكره وأقام بمكانه لاستنباط الحيلة والتدبير في أمره وكيف ينبغي الإيقاع بهذا الملك. فاستدعى بالمنجمين وأمرهم باختيار يوم ووقت تكون له فيه سعادة لملاقاة ملك الهند والنصرة عليه. فاشتغلوا بذلك. وكان ذو القرنين لا يمر بمدينة إلا أخذ المشهورين من صناعها بالحذق من كل صنف. فنتجت له همته ودلته فطنته أن يتقدم إلى الصناع الذين معه بأن يصنعوا له خيلاً من نحاس مجوفة عليها تماثيل من الرجال على بكرٍ تجري به وإذا دُفعت مرت سراعا. وأمر إذا فرغوا منها أن تحشى أجوافها بالنفط والكبريت وأن يلبس الفارس آلة الحرب ويقدم ذلك أمام الصف في القلب وقت ما يلتقي الجمعان لتضرم فيها النيران. فإن الفيلة إذا ألقت خراطيمها على الفرسان وهي حامية جلفت. وأوعز إلى الصّنّاع بالتشمير والفراغ منها. فجدوا في ذلك وعجلوا.

وقرب أيضا اختيار المنجمين لليوم. فأعاد ذو القرنين رسله إلى فورَك ملك الهند يدعوه إلى طاعته والإذعان لدولته. فأجاب جواب مُصِرّ على مخالفته مقيم على محاربته.

فلما رأى ذو القرنين عزيمته سار إليه بأُهبتِه وقدّم فورك الفيلة أمامه ودفعت الرجال تلك الخيل النحاس وعليها التماثيل كالفرسان فأقبلت الفيلة نحوها وألقت خراطيمها عليها. فلما أحست بالحرارة ألقت من كان عليها من الرجالة المقاتلة وداستهم تحت أرجلها ومضت مهرولة هاربة لا تلوي على شيء ولا تمر بأحد إلا وطئته. وتقطّع فورك وجمْعه وتبعهم أصحاب الإسكندر وأثخنوا فيهم الجراح. وصاح الإسكندر: يا ملك الهند ابرز إليّ وابق على عدتك وعيالك ولا تحملهم على الفناء. فإنه ليس من السياسة أن يرمي الملك عدته في المهالك المتلفة، والمواضع المجحفة، بل يقيهم بماله ويدفع عنهم بنفسه. فابرز إليّ ودعِ الجند فأينا قهر صاحبه فهو الأسعد.

فلما سمع فورك من ذي القرنين هذا الكلام دعته نفسه إلى ملاقاته طمعاً فيه فسارع إليه وظن ذلك فرصة. فبرز إليه الإسكندر فتجالدا على ظهرَيْ فرسهما ساعات من النهار ليس يلقى أحدهما من صاحبه فرصة ولم يزالا يتعاركان. فلما أعيا الإسكندر أمر فورك ولم يجد له فرصة ولا حيلة أوقع بعسكره صيحة عظيمة ارتجّت لها الأرض والعساكر. فالتفت فورك عندما سمع الزعفة وظنها مكيدة وقعت في عسكره فعاجله ذو القرنين بضربة أمالته عن سرجه وأتبعها بأخرى فوقع إلى الأرض. فلما رأى الجند ما نزل بهم وما صار إليه ملكهم حملوا على الإسكندر فقاتلوه قتالاً شديداً أحبوا معه الموت.

فوعدهم من نفسه بالإحسان ومنحه الله أكتافهم. فاستولى على بلادهم وملّك عليهم رجلاً من ثقاته وأقام بالهند حتى استوثق له ما يريده من أمورهم واتفاق كلمتهم. ثم انصرف من الهند وخلّف ذلك الرجل عليهم ومضى متوجهاً نحو ما قصد له.

فلما بعد ذو القرنين عن الهند بجيوشه تغير الهنود عما كانوا عليه من طاعة الرجل الذي خلفه عليهم وقالوا: ليس يصلح للسياسة ولا ترضى الخاصة ولا العامة أن يُملّكوا عليهم رجلا ليس منهم ولا من أهل بيوتهم. فإنه لا يزال يستسفلهم. ثم أجمعوا على أن يُملّكوا عليهم رجلا من أولاد ملوكهم فملّكوا عليهم ملكاً يقال له دبشليم وخلعوا الرجل الذي ملّكه عليهم الإسكندر.

فلما استقر لهذا الملك واستوثق له الأمر طغى وعتى وتجبر وتكبر وجعل يغزو من حوله من الملوك. وكان مع ذلك مظفّراً منصوراً فهابته الملوك وخافته الرعيّة. فلما رأى ما هو عليه من الملك والسطوة عبث بالرعية واستصغر أمرهم وأساء السيرة فيهم وكان لا يرتقي حاله إلا ازداد عتواً ومكث على ذلك برهة من دهره.

وكان في زمانه رجل فيلسوف من البراهمة فاضل حكيم يعرف بفضله ويرجع إليه في قوله يقال له بيدبا الفيلسوف. فلما رأى ما عليه الملك من ظلم الرعية فكّر في وجه الحيلة في صرفه عما هو عليه وردّه إلى العدل والإنصاف، فجمع لذلك تلامذته وقال: هل تعلمون ما أريد أن أشاوركم فيه؟ قالوا: لا. قال: اعلموا أني أجلت الفكرة، وأطلت العبرة في دبشليم الملك وما هو عليه من الخروج عن العدل ولزوم الشرور ورداءة السيرة وسوء عشيرته مع الرعية. وإننا نروّض أنفسنا لمثل هذه الأمور إذا ظهرت من الملوك لنرُدّهم إلى فعل الخير ولزوم العدل. ومتى أغفلنا ذلك وأهملناه لزمنا من وقوع المكروه بنا وبلوغ المحذور إلينا ألمُ الجهّال وبلغ إليهم أننا كنا في أنفسهم أجهل منهم وفي عيونهم أقل منهم.

وليس الرأي عنديَ الجلاء عن المواطن وليس يسعنا في الحكمة أن نبقيَ الملك على ما هو عليه من رداءة السيرة وسوء الطريقة. ولا يمكننا مجاهدته بغير أسنتنا. ولو ذهبنا لنستعين عليه بغيرنا لما تهيّأت لنا معاودته ولو أحس منها مخالفتنا وإنكارنا لسوء سريرته لكان في ذلك بوارنا. وقد تعلمون أن مجاورة الكلب والسبع والحية والثور للوثوب على طِيبِ الوطن ونضارة العيش تغريرٌ بالنفس، وأن الفيلسوف لخليق أن تكون همته إلى ما يحفظ به نفسه من نوازل المكروه ولواحق المحذور ويدفع المَخوف لاجتلاب المحبوب. وقد كنت أسمع أن فيلسوفاً كتب إلى تلميذ له يقول له: إن المجاورة للرجال السوء والمصاحبة لهم كراكب البحر إن سَلِم من الغرق لن يسلم من الخوف. فإذا هو أورد نفسه موارد الهلكات ومصادر المَخوفات عُدّ من البهائم التي لا أنفس لها لأن الحيوان البهيميّ يقد خصّ في طبائعه بمعرفة ما يكتسب فيه النفع ويجتنب المكروه. وذلك أن الحيوانات لم تورد بأنفسها مورداً فيه مهلكها وأنها متى أشرفت على موردٍ مهلك لها مالت بطبائعها التي ركّبت فيها وتباعدت عنه شحّاً بأنفسها. وقد جمعتكم لهذا الأمر لأنكم أسرتي وموضع سرّي وبكم أعتضد وعليكم أعتمد. فإن الوحيد في نفسه والمنفرد برأيه حيثما كان هو ضائع ولا ناصر له.

والمثل في ذلك أن قنبرة اتخذت أدحية وعششت فيها وباضت على طريق الفيل. وكان للفيل مشربٌ يتردد إليه فمرّ ذات يوم على عادته ليَردَ مورده فوطئ عشّ القنبرة فهشم بيضها. فلما نظرت ما ساءها علمت أن ذلك من الفيل فطارت حتى وقعت على رأسه باكية. وقالت له: أيها الملك لم هشمت بيضي وقتلت أفراخي؟ أفعلت استضعافاً منك وقلّة لي واحتقاراً لأمري؟ فقال الفيل: هو الذي حملني على ذلك. فتركته وانصرفت إلى جماعة من الطيور فشكت إليهن ما نالها من الفيل. فقلن: وما عسى أن نبلغ منه ونحن طير ضعاف. فقالت للعقائق والغربان: أحب منكن أن تنصرفن معي إليه فتفقأن عينيه فإني بعد ذلك أحتال عليه بحيلة أخرى. فأجبنها إلى ذلك ومضين إلى الفيل فلم يزلن ينقرن عينيه حتى ذهبن بهما وبقي لا يهتدي إلى طريق مطعمه ومشربه إلا ما يقمّه من موضعه.

فلما عرفت القنبرة ذلك منه جاءت إلى غدير فيه ضفادع كثيرة فشكت إليهن ما نالها من الفيل فقلن لها: ما حيلتنا نحن في عظم الفيل وأنى نبلغ منه؟ فقالت: أريد أن توافين معي هويّةً تقرب منه فتنقنقن وتضججن بها فإنه إذا سمع أصواتكن لم يشك في الماء فيهوي فيها. فأجابتها الضفادع إلى ذلك واجتمعن في الهوية ونقنقن فسمع الفيل نقيقهنّ وقد أجهده العطش، فأقبل حتى وقع في الهوية فارتطم فيها. وجاءت القنبرة ترفرف على رأسه فتقول: أيها الطاغي المغترّ بقوّتك المحتقر لأمري، كيف رأيت عظيم حيلتي في صغر جثتي عند عظيم جثتك وصِغَر همّتك؟

فليُشر كل واحد منكم بما يسنح له من الرأي. فقالوا بأجمعهم: أيها الفيلسوف الفاضل الحكيم العادل، أنت المقدّم فيمنا والمفضّل علينا، فما عسى أن يكون مبلغ رأينا عند رأيك وفهمنا من فهمك ونحن نعلم أن السباحة في الماء مع التمساح تغرير والذنب فيه لمن دخل عليه في موضعه. والذي يستخرج السم من ناب الحية فيجرّبه على نفسه فليس الذنب للحية. ومن دخل على الأسد في غابته لم يأمن وثبته. وهذا الملك لم تؤدّبه التجارب ولم تقرّعه النوائب ولسنا نأمن عليك وعلى أنفسنا من سورته ومبادرته بسطوته متى لقيته بغير ما تحب مما هو عليه من همته.

فقال بيدبا: لعمري لقد قلتم فأحسنتم وأجبتم فأبلغتم لكن ذا الرأي الحازم لا بد له أن يشاور من هو دونه أو فوقه في المنزلة. والرأي الفرد لا يُكتفى به في الخاصة ولا ينتفع به في العامة. وقد صحّ عزمي على لقاء الملك دبشليم، وقد سمعت مقالتكم وبانت ليه نصيحتكم والإشفاق عليّ وعلى أنفسكم. غير أني قد رأيت رأياً وعزمت عزماً فستعرفون نتيجته عند لقاء الملك ومحاورتي إياه، فإذا اتصل بكم خروجي من عنده اجتمعوا إليّ.

ثم إن بيدبا إذن لأصحابه في الانصراف فقاموا بين يديه يدعون له بالسلامة، واختار يوماً للدخول على الملك دبشليم. حتى إذا كان اليوم المختار ألقى عليه مسوحه، وهو لباس البراهمة، وجاء فسأل عن صاحب إذن الملك فأُرشد إليه فأتاه وسلّم عليه وأعلمه أنه رجل قصد الملك في أمر له فيه النصيحة. فدخل فاستأذن له على الملك وكان في ذلك اليوم فارغاً غير مشغول. فأذن له فدخل ووقف بين يديه وكفّر وسجد ثم استوى قائماً وسكت فلم يتكلّم بشيء.

ففكر الملك دبشليم في سكوته وقال: إن هذا الفيلسوف لم يقصدنا إلا لأحد أمرين: إما ليلتمس منا شيئاً يصلح به حاله أو أمر لحقه فلم يكن له به طاقة ولا وجد عليه مستصرخاً فاعتمصم بنا كي يكون له أبلغ نكايةً وأشد عقوبة على ضده. ثم قال: وبعد فليس هذه الحالة من شرط الفيلسوف لأنه وإن كانت الملوك لها فضل في مملكتها فإن الحكماء لهم فضل في حكمتهم أعظم من الملوك، لأن الحكماء أغنياء عن الملوك بالعلم وليس الملوك بأغنياء عن الحكماء بالمال. وقد وجدت العقل والحياء أحق متآلفين لا يفترقان. ومتى فُقِد أحدهما لم يوجد الآخر، كالمتصادقين من الناس وغيرهم إن عَدِم أحدهما صاحبه لم تطب نفس الآخر بالبقاء بعده تأسفاً عليه. ومن لم يستحي من الحكماء ويكرمهم ويعرف فضلهم ويصرفهم عن مواقف الذّلة وينزّههم عن المواطن الرّذلة كان ممن حرم عقله وخسر حياته وظلم الحكماء في حقوقهم وعدّ من الجهّال.

ثم رفع طرفه إلى بيدبا فقال له: إني أنظرك ساكتاً، لا تعبّر عن حاجتك ولا تذكر بغيتك لعلمتُ أن الذي أسكتك إنما هو بليّةٌ ساورتك أو حيلة أدركتك وتبيّنتُ ذلك في طول وقوفك وقلت: لم يكن بيدبا ليطرقنا من غير عادة إلا لأمري حرّكه، وإنه لمن أفضل زماننا ولا سألته عن سبب دخوله إلينا فإنه لو كان شيء يلتمس فيه الاعتزاز بنا من ضيمٍ ناله كنت أول من أخذ بيده وسارع إلى تشريفه وأولاه بلوغ مراده. وإن كانت بغيته عرضاً من عروض الدنيا أمرت بإرضائه من ذلك بما يحب. وإن يكن شيء من أمر الملك ما لا ينبغي للملوك أن يبذلوه من أنفسهم ولا ينقادوا إليه نظرت مقدار عقوبته عليه. على أنه لم يكن ليحضرني على إدخال نفسه في باب مسألة الملوك وإن كان شيء من أمور الرعية يقصد به صرف عنايتي إليه نظرت ما هو. فإن الحكيم لا يخبر إلا بخير والجاهل يشير بضده. وإني قد فسخت لك الكلام فقل ما بدا لك.

فلما سمع بيدبا كلام الملك أفرح روعه وسرّي عنه ما كان وقع في نفسه من الخوف فكفّر له وسجد ثم قام بين يديه وقال: إن أول ما أقول أن أسأل إله بقاء الملك على الأبد، ودوام ملكه على الأمد، فقد جعل في مقامي هذا شرفاً لي على من يأتي بعدي من العلماء وذكراً باقياً على الدهور عند الحكماء إذ أقبل الملك عليّ بوجهه وعطف عليّ بكرمه. والأمر الذي حملني على الدخول إلى الملك ودعاني إلى التعرض لكلامه المخاطرة بالإقدام على نصيحته التي اختصصتُهُ بها دون غيره. وسيعلم من يتصل به ذلك أني لم أقعد عن غاية فيما يجب للملوك على الحكماء. فإن فسح في كلامي ورعاه عني، فهو حقيق بما يراه في ذلك. وإن ألقاه، فقد بلّغت ما يجب عليّ وخرجت عليّ من لوم يلحقني.

فقال الملك: يا بيدبا تكلم فإني مصغ إليك وسامعٌ منك ما تقول، فقل ما عندك لأجازيك عليه بما أنت أهله.

فقال بيدبا: أيها الملك إني وجدت الأمور التي يختص بها الإنسان من بين سائر الحيوان أربعةً وفيها جماع كل ما في العالم، وهي الحكمة والعفّة والعقل والعدل. فالعلم والأدب والرويّة داخلة في باب الحكمة. والحلم والصبر والرفق والوقار داخلة في باب العقل. والحياء والكرم والصيانة والأنفة داخلة في باب العفة. والصدق والمراقبة والإحسان وحسن الخلق داخلة في باب العدل. فهذه هي المحاسن، وأضدادها هي المساوئ. فهي إن كملت في واحد لم تخرجه الزيادة في نعمته إلى سوء حظّ في دنياه أو إلى نقص من عقباه، ولم يتأسف على ما لم يُغنِ التوفيق ببقائه، ولم يحزنه ما تجري به المقادير في ملكه، ولم يندهش عند مكروه يفدحُهُ. والحكمة كنز لا يفنى مع الإنفاق، وذخيرةٌ لا يضرب لها بالأملاق، وحلةٌ لا تخلق جِدّتها، ولذة لا تتصرّم مدتها. إن كنت عند مقامي بين يدي الملك أمسكت عند ابتدائه فإن ذلك لم يكن مني إلا لهيبة منه وإجلال. ولعمري إن الملوك لأهل لأن يُهابوا ولا سيما من هو في المنزلة التي حلّ فيها الملك عن منازل الملوك قبله.







شـريـف
مؤسس المنتدى
مؤسس المنتدى

ذكر
مصر

عدد المشاركات :: 7336

تاريخ التسجيل :: 07/05/2010

قصة رد: كتاب كليلة ودمنة

مُساهمة من طرف شـريـف في 6/7/2011, 6:00 pm


وقد قالت الحكماء: الزم السكوت فإن فيه السلامة، وتجنب الكلام الفارغ فإن عاقبته ندامة. وحُكي أن أربعة من الحكماء ضمّهم مجلس ملك فقال لهم: ليتكلم كل واحد منكم بكلام يكون أصلا للأدب. فقال الأول: أفضل حلية العلماء السكوت. وقال الثاني: أنفع الأشياء أن لا يتكلم الإنسان حتى يعرف قدر منزلته من عقله. وقال الثالث: أنفع الأشياء للإنسان أن لا يتكلم بما لا يعنيه. وقال الرابع: أروح الأمور للإنسان التسليم للمقادير.

واجتمع في بعض الزمان ملوك الأقاليم من الصين والهند وفارس والروم وقالوا: ينبغي أن يتكلم كل واحد منا بكلمة تدوّن عنه على غابر الدهر: فقال ملك الصين: أنا على ردّ ما لم أقل أقدر مني على ما ردّ ما قلت. وقال ملك الهند: عجبت ممن يتكلم بالكلمة إن كانت له لم تنفعه وإن كانت عليه أوهنته. وقال ملك فارس: إذا تكلمتُ بالكلمة ملكتني وإذا لم أتكلم بها ملكتها. وقال ملك الروم: لم أندم قط على ما لم أقل، ولقد ندمت على ما قلت كثيراً. والسكوت عند الملوك أحسن من الهَذَرِ الذي لا يُرجع منه إلى نفع. وأفضل ما استظلّ به الإنسان لسانه.

غير أن الملك، أطال الله بقاءه، لما أفسح لي في الكلام وأوسع ليه فيه، أول ما أبدأه به من الأمور التي هي غرضي أن تكون ثمرة ذلك له دوني، وأختصّه بالفائدة قبلي، على أنّ العقبى فيما أقصد من كلامي له إنما هي نفعه دوني، وشرفه راجع إليه وأكون أنا قد قضيت فرضاَ واجباً علي.

فأقول أيها الملك إنك في منازل آبائك من الملوك وأجدادك من الجبابرة الذين أنشأوا المدن قبلك ودانت لهم الأرض وبنوا القلاع وقادوا الجيوش واستحضروا العدة وطالت لهم المدة واستكثروا من السلاح والكراع وعاشوا الدهور في الغبطة والسرور، فلم يمنعهم ذلك من اكتساب الجميل ولا قطعهم عن اغتنام الشكر فيما خُوّلوه، وحسن السيرة فيما تقلّدوه، مع عظم ما كانوا فيه من عزة الملك وسكرة الاقتدار.

فإنك أيها الملك السعيد جدّه، الطالع في الكواكب سعده، قند ورثت أرضهم وديارهم وأموالهم التي كانت عندهم فأقمْتَ فيما خوّلك الله من الملك وورثتَ الأموال والجنود، فلم تقم في ذلك بحقّ ما يجب عليك ولا أدّيت المفترض على الملوك إذا أفضى المُلك إليهم، بل طغيت وبغيت وعتوت وعلوت على الرعية وأسأت السيرة وعظمت منك البلية. وكان الأَولى والأشبه بك أن تسلك سبيل أسلافك وتتبع آثار الملوك قبلك وتقفوَ محاسن ما أبقَوه لك وتقلع عما عارُهُ لازم لك وشينُهُ واقع بك، وتحسن النظر في رعيتك وتسنّ لهم سنن الخير الذي يبقى بعدك ذركه، ويعقبك فخره، ويكن ذلك أبقى على السلامة وأدوم على الاستقامة. فإن الجاهل من استعمل في أموره البطر والأمنيّة، والحازم اللبيب من ساس المُلك بالمداراة والرفق. فانظر أيها الملك ما ألقيتُ إليه، ولا ييقُلنّ عليك، فإني لم أتكلم بهذا ابتغاء غرضٍ تجازيني به ولا التماس معروف تكافئني عليه، ولكني أتيتك مشفقاً ناصحاً لك.

فلما قضى بيدبا مقالته، وأنهى مناصحته، ارتعب قلب الملك فأغلظ له الجواب استصغاراً لأمره، وقال: لقد تكلمت بكلام ما أظن أحداً من أهل مملكتي يقدر أن يستقبلني بمثله ويقدم على ما أقدمت عليه، فكيف أنت مع صغر شأنك وضعف منفعتك وعجز قوتك. وقد احتملت على أن تجيبني بمثل هذا الكلام الذي ليس لأحد أن يخاطبني به. ولقد كثر إعجابي من إقدامك وتسلطك بلسانك فيما جاوزت فيه حدّك. وما أجد شيئاً في تأديب غيرك أبلغ من التنكيل بك. ففي ذلك عبرة وموعظة لمن عساه أن يروم من الملوك ما رُمت إذا أوسعوا لهم في مجالستهم.

ثم إن الملك أمر أن يقتل ويصلب. فلما مضوا به فيما أمرهم أمر بإعادته فأحجم عنه ثم أمر بحمله إلى السجن، فحُمل مقيّداً. ثم وجّه في طلب تلامذته ومن كان يجتمع إليه ليودعهم في محبسه فهربوا في البلاد واعتصموا بجزائر البحار. ومكث بيدبا في محبسه أياماً كثيرة لا يسأل الملك عنه، ولا يلتفت إليه، ولا يتجاسر أحدٌ أن يذكره عنده. حتى إذا كانت ليلة من الليالي سَهِد فيها الملك سهداً شديداً ومدّ إلى الفلك بصره ففكر في تنقله وحركات الكواكب فيه، فغرق في الفكر فسلك به إلى استنباط شيء عرض له من أمور الفلك والمسألة عنه. فتذكر عند ذلك بيدبا وتفكّر فيما كلّمه به وارعوى لذلك وقال في نفسه: لقد أسأت فيما صنعت بهذا الفيلسوف وضيّعت واجب حقه وحملني على ذلك سرعة الغضب. فإنه قيل: لا ينبغي أن يكون الغضب في الملوك، فإنه أجدر الأشياء مقتاً لأن صاحبه لا يزال ممقوتاً، والبخل فإنه ليس بمعذور مع ذات يده، والكذب فإنه ليس أحد يجاوزه، وعدم الرّفق في المجاورة فإن السّفه ليس من شأنها. وإني أتيت إلى رجل نصيح لي ولم يكن ثلاّباً فقابلته بضدّ ما كان مستحقاً وكافأته بخلاف ما يستوجب، وما كان ذلك جزاءه مني، بل الواجب أن أسمع كلامه وأنقاد لمشورته.

ثم أنفذ من ساعته من يأتيه به. فلما مثل بين يديه قال له: يا بيدبا ألست الذي قصدت إلى تقصير همتي وعجّزت رأيي فيما تكلمت به آنفا؟ قال بيدبا: يا أيها الملك السعيد إن ما أنبأتك به فيه صلاح لك ولرعيتك وفيه دوام ملكك.

فقال له الملك: أعد عليّ ما قلت ولا تدع منه حرفاً واحداً إلا جئت به. فجعل بيدبا ينشر كلامه والملك مصغ إليه. وجعل كلما سمع كلامه ينكت الأرض بشيء كان في يده. ثم رفع رأسه إليه وأمره بالجلوس فجلس. ثم قال له: يا بيدبا إني قد استعذبت كلامك وحسن موقعه من قلبي وأنا ناظر في الذي أشرتَ به وعاملٌ عليه. ثم أمر بقيوده ففكّت، وألقى عليه من لباس الملوك، وتلقاه بالقبول.

فقال بيدبا: أيها الملك، إن في دون ما كلّمتك به ناحية لمثلك. فقال الملك: صدقت أيها الحكيم الفاضل، ولقد ولّيتك في مجلسي هذا جميع مملكتي. فقال له بيدبا: أيها الملك اعفني من هذا الأمر فإني غير مضطلع بتقويمه إلا بك. فقبل ذلك منه وأغفاه.

فلما انصرف علم أن الذي فعله ليس برأي فبعث إليه واستردّه وقال له: إني فكرت في إعفائك فيما عرضته عليك فوجدت أنه لا يقوم إلا بك ولا ينهض به غيرك، ولا يستطيع له سواك ولا يتخالفني فيه. فأجابه بيدبا إلى ذلك.

وكان من عادة الملوك في ذلك الزمان إذا ألبسوا وزيراً أن يعقد على رأسه تاج ويركب في أهل المملكة ويطاف به في مدينة الملك. فأمر دبشليم أن يُفعل ببيدبا ذلك، فوُضع التاج على رأسه وركب ودار في المدينة ورجع وجلس في مجلس العدل والإنصاف وأخذ للضعيف من القوي وردّ الظالم، ووضع سنن العدل. والتصل الخبر بتلامذته فأتوه من كل ناحية مستبشرين بما ناله من الملك من الأخذ والعطاء والبذل، وشكروا الله تعالى على توفيق بيدبا في إزالة دبشليم عما كان عليه من سوء السيرة، واتخذوا ذلك اليوم عيداً يعيّدون فيه. فهو إلى يومنا ثابت في بلادهم.

ثم إن بيدبا خلا فكره من أشغاله بدبشليم وتفرّغ من السياسة فعمل كتباً كثيرة فيها من دقيق الحيل. ومضى الملك على ما رسم بيدبا من حسن السيرة والعدل في الرعية فرغب إليه الملوك الذين كانوا في نواحيه وانقادت له الأمور على استوائها وفرحت به رعيته وأهل مملكته.

ثم إن بيدبا جمع تلامذته ووعدهم وعداً جميلاً وقال لهم: لست أشك أنه وقع في نفوسكم وقت دخولي على الملك أن قلتم إن بيدبا قد ضاعت حكمته وبطلت فكرته إذ عزم على الدخول إلى هذا الجبّار الطاغي. فقد علمتم نتيجة رأيي وصحة فكري، وإني لم آت الملك جهلاً به لأني كنت أسمع ما يقال: إن الملوك لها سكرةً كسكرة الشبان. فلا يفيق الملوك من سكرتهم إلا مواعظ العلماء وأدب الحكماء. ويجب على الحكماء تأديب الملوك بألسنتها وتقويم حكمتها وإظهار الحجة البيّنة اللازمة لما هم عليه من الاعوجاج والخروج عن العدل. فوجدت ما قالت العلماء فرضاً واجباً على الحكماء لملوكهم ليوقظوهم عن سِنَة سكرتهم، كالطبيب الذي يجب عليه في صناعة الطب حفظ الأجساد وردّها إلى الصحة. فكرهت أن يبقى وأموت فيكون ذلك حسرة عليّ وعليكم وما يبقى على الأرض إلا من يقول كان بيدبا الفيلسوف في مدة دبلشيم الملك فلم يردّه عما كان عليه.

فإن قال قائل: إنه لم يمكّنه كلامه خوفاً على نفسه، قالوا: إن الهرب منه ومن جواره أولى به، والانزعاج عن الوطن شديد. فرأيت أن أجود بحياتي فأكون قد أتيت فيما بيني وبين الحكماء بعدي عذراً. فحملت نفسي على التغرير أو الظفر بما أريد وكان في ذلك ما أنتم معاينوه. فإنه يقال في بعض الأمثال إنه لم يبلغ أحد مرتبة إلا بإحدى ثلاث: إما بمشقة تناله في نفسه وإما بوضيعة في ماله أو بوكَسٍ في دينه. ومن لم يركب الأهوال لم ينل الرغائب. ثم إن الملك مكث على حسن السيرة زمناً طويلاً وبيدبا يتولى ذلك ويتقدم به.

ثم إن دبشليم لما استقرّ له الملك وسقط عنه النظر في أمور الرعية والنظر في الأعداء ومحاربتهم إذ قد كفاه بيدبا ذلك، صرف همته إلى النظر في الكتب التي وضعتها فلاسفة الهند لآبائه وأجداده، وأحبّ أن يكون في الخزانة كتاب باسمه. وعلم أن ذلك لا يقوم به إلا بيدبا فدعاه وخلا به وقال له: يا بيدبا إنك حكيم الهند وفيلسوفها وإن فكرت ونظرت في خزائن الحكمة التي كانت الملوك قبلي جميعها فلم أر أحداً إلا وقد وضع له كتاب يذكر فيه اسمه وأيامه وسيرته وينبئ عنه وعن أدبه وأهل مملكته. ومنه ما وضعته الملوك لأنفسها ولذلك بانت حكمتها، ومنه ما وبضعته حكماؤها. وإني خفت أن يلحقني ما لحق أولئك مما لا حيلة ليه فيه وهو الموت ولا يوجد لي في خزانتي كتاب يذكره الملوك بعدي وأذكَر فيه وأنسب إليه كما ذكر من كان قبلي بكتبهم. وقد أحببت أن تصنع لي كتاباً بليغاً تستفرغ فيه عقلك، يكون ظاهره سياسة للعامة وتأديبها، وباطنه لأخلاق الملوك وسياستها للرعية على طاعة الملك وخدمته فيسقط بذلك عني وعنهم كثير مما يحتاج إليه في معاناة المُلك. وأريد أن يبقى لي هذا الكتاب ذكراً على غابر الدهر.

فلما سمع بيدبا كلامه خرّ له ساجداً ثم رفع رأسه وقال: أيها الملك السعيد جدّه، علا نجمك وغاب نحسك ودامت أيامك. إن الذي قد طُبع عليه الملك من جودة القريحة ووفور العقل ينبهه لذلك ويحرّكه لمعالي الأمور التي سُمعت به فتعلو همّته إلى أشرف المنزلة وأبعدها غاية، فأدام الله تعالى سعادة الملك وأعانه على ما عزم عليه فأعانني على بلوغ مراده. وليأمر الملك بما شاء من ذلك فإني صائرٌ إلى غرضه ممهّد فيه الرأي.

قال له الملك: لم تزل يا بيدبا معروفاً بعقد الرأي المبارك بطاعة الملوك في أمرهم وقد اختبرت ذلك منك واخترت أن تضع هذا الكتاب وتجهد فيه نفسك وتعمل فيه بغاية ما تجد إلي السبيل. وليكن مشتملاً على الجد والهزل واللهو والحكمة والفلسفة ليفرغ الحكيم ذهنه لما فيه من حكمة، وتشرح المعاني صدره لما فيه من لهو.

فكفّر له بيدبا وسجد وقال: أجبت الملك لما أمرني به من ذلك وجعلت بيني وبينه أجلاً. قال الملك: وكم هو يا بيدبا؟ قال: سنةٌ. قال: لقد أجّلتك يا بيدبا. وأمر له بجائزة سنيّة يستعين بها على عمل الكتاب كما رسم له الملك.

ثم إن بيدبا أخذ يتذكر أياماُ في الأخذ في ابتداء الكتاب وفي أي صورة يبتدئ به وعلى أي وضع يضعه وعلى أي جنس يرسمه. وجمع تلامذته وقال لهم: إن الملك قد ندبني لأمر فيه فخري وفخركم وفخر بلادكم إلى الأبد، وقد جمعتكم لهذا الأمر. إن الملك دبشليم قد بسط لساني في أن أضع له كتاباً فيه من ضروب الحكمة. ثم وصف لهم ما أشار إليه الملك من أمر الكتاب والغرض الذي قصده في نظمه وترتيبه. وقال لهم: فليضع كل واحد شيئاً في أي فنّ شاء وليعرضه عليّ لأعرف مقدار عقله وأين بلغ من الحكمة فهمه.

قالوا بأجمعهم: أيها الحكيم الفاضل واللبيب العاقل والذي وهب كل ما منحك من الحكمة والعقل والصيانة (وهو الله تعالى)، ما خطر هذا في قلوبنا ساعة قط وأنت رئيسنا وفاضلنا بك شرفنا وعلى يديك انتعاشنا، ولكن سنجهد أنفسنا فيما أمرت. فلم يقع لهم الفكر في ما تقدم به الملك.

فلما لم يجد عندم ما يريد فكّر بفضل حكمته، وعلم أن ذلك أمر إنما يتم باستفراغ الفكر وإعمال العقل. وقال: أرى السفينة لا تجري في البحر إلا بأمر الملاحين لأنهم يعدلونها، وإنما تقطع اللجة وتسلك البحر بمدبّرها الذي تفرّد بإمرتها، ومتى ثقلت بالركّاب وكثر ملاحوها لم يؤمن عليها الغرق.

ثم لم يزل يفكر في رسم الكتاب حتى وضعه على الانفراد بنفسه مع رجل من تلامذته كان يثق بعقله. فخلا به قعد أن أعد من الورق شيئاً كثيراً ومن القوت ما يقوم به وبتلميذه مدة سنة، ثم احتبسا في مقصورة وردّا عليهما الباب. ثم بدأ بيدبا في نظم الكتاب على غاية منها قائم بنفسه. وفي كل باب مسألة والجواب عنها، ليكون فيه هحظ لمن نظر في الأبواب، وسماه كتاب كليلة ودمنة. وجعل الكلام على ألسن البهائم والسباع والوحش والطير ليكون ظاهره لهواً للعامة وباطنة سياسة للخاصة، متضمنا ما يحتاج الإنسان إليه من أمر دينه ودنياه وآخرته على حسن طاعة الملوك ومجانبة ما تكون مجانبته خيراً له. ثم جعله ظاهراً وباطناً كسائر كتب الحكمة، فصارت صور الحيوانات فيه لهواً وما نطقت به حكما وأدباً.

ولما ابتدأ بيدبا بذلك جعل أول الكتاب وصف الصديق، كيف يكون صديقان وكيف يقطع المودة الثابتة بينهما ذو الحيلة والنميمة. فأمر تلميذه أن يكتب على لسانه ما كان الملك شرط عليه. وذكر بيدبا أن الحكمة متى دخلها كلام الغفلة أفسدها واستجهلت حكمتها.

ثم إن بيدبا وقع له موضع الهزل من الكتاب فرسمه، وموضع الجد فأثبته. فجاء الكتاب على لسان البهائم. وكانت الحكمة ما نطقوا به فترك العقلاء الظاهر من ذلك واشتغلوا بما فيه من الحكم والآداب. وأما الجهّال فلم يعلموا السبب فيما وُضع لهم وأظهروا عجباً من محاورة بهيمتين فاتخذوه لهواً وعجزوا عن معنى الكلام أن يفهموه، ولم يعلموا الغرض الذي وُضع لهم لأن الفيلسوف كان غرضه في الباب الأول أن يُخبر عن تواصل الإخوان وكيف تتأكد بينهم المحبة بالتحفّظ من أهل السّعاية والتحرّز عن بُرقُع العداوة والقطيعة بين المتحابين بالكذب ليجرّ الساعي بذلك نفعاً إلى نفسه.

فلما تم الكتاب وتم الأجل أنفذ الملك دبشليم إلى بيدبا أن قد جاء الوعد فماذا صنعت؟ فأنفذ إليه بيدبا: إني على ما وعدت الملك فليأمرني لأحمله إليه بعد أن يجمع أهل مملكته لتكون قراءتي لهذا الكتاب بحضرتهم.

فلما رجع الرسول إلى الملك دبشليم سُرّ بذلك سروراً عظيماً ووعده يوماً يجمع أهل مملكته فيه. ثم نادى في أقصى بلاد الهند ليحضروا قراءة الكتاب. فلما كان اليوم واجتمع الناس أمر الملك أن يُنصب له سرير ولبيدبا سرير.

وحضروا، وقام بيدبا وعليه ثياب الحكمة التي كان يلبسها إذا دخل على الملوك وهي المسوخ السود. فلما دنا من الملك كفّر له وسجد له فلم يرفع رأسه.

فقال له الملك: يا بيدبا رفع رأسك فليس هذا يوم نحيب، هذا يوم سرور وشكر. ثم سأله حين قرأ الكتاب عن معنى كل باب وأيّ شيء قصده فيه، فأخبره بغرضه فيه وقصده في كل باب فازداد به سروراً ومنه تعجّباً وقال له: يا بيدبا ما عدوت ما كان في نفسي، وهذا الذي كنت أطلب، فتمنّ ما شئت وتحكّم. فدعا له بالسعادة وقال: أيها الملك، أما المال فلا حاجة لي فيه، وأما الكسوة فلا أختار سوى لباسي هذا، ولست أخلي الملك من حاجة إذا عرضت. فقال الملك: وما حاجتك الآن، فكل حاجة لك قبلنا مقضيّة. فقال: أسأل الملك أن يأمر بتدوين كتابي هذا كما دوّن آباؤه وأجداده كتبهم وان يأمر بالاحتياط عليه، فإني أخاف أن يخرج من بلاد الهند فيتناوله أهل فارس إذا علموا به فيذهب، والآن لا يخرج من بيت الحكمة. ثم دعا الملك بتلامذته فخلع عليهم وأمر لهم بالجوائز.

ثم إنه لما ملك كسرى أنو شروان، وكان مستبشراً بالكتب في العلم والأدب رُفع إليه خبر هذا الكتاب فلم يقرّ له قرارٌ حتى بعث برزويه الطّبيب فاحتال وتلطّف حتى أخرجه من بلاد الهند فأقرّه في خزائن فارس.







شـريـف
مؤسس المنتدى
مؤسس المنتدى

ذكر
مصر

عدد المشاركات :: 7336

تاريخ التسجيل :: 07/05/2010

قصة رد: كتاب كليلة ودمنة

مُساهمة من طرف شـريـف في 6/7/2011, 6:01 pm

باب بعثة كسرى لبرزويه إلى بلاد الهند

قال بزرجمهر في ذلك: أما بعد فإن الله تبارك وتعالى خلق خلقه أطواراً برحمته ومنّ على عباده بفضله ورزقهم ما يقدرون به على إصلاح معايشهم في الدنيا وما يدركون به استنقاذ أرواحهم من أليم العذاب. فأفضل ما رزقهم ومنّ عليهم به العقل الذي هو قوةٌ لجميع الأحياء. فما يقدر أحد منهم على إصلاح معيشةٍ ولا إحراز منفعة ولا دفع ضر إلا به وكذلك طالب الآخرة المجتهد على استنقاذ روحه من الهلكة. فالعقل هو سبب كل خير ومفتاح كل رغبة وليس لأحد غنىً عنه. وهو مكتسب بالتجارب والآداب وغريزة مكنونة في الإنسان كامنة ككمون النار في الحجر والعود لا تُرى حتى يقدحها قادح من غيرها. فإذا قدحها ظهرت بضوئها وحريقها. كذلك العقل كامن في الإنسان لا يظهر حتى يظهره الأدب وتقويه التجارب، فإذا استحكم كان هو السابق إلى الخير والدافع لكل ضر. فلا شيء أفضل من العقل والأدب. فمن منّ عليه خالقه بالعقل وأعان هو على نفسه بالمثابرة على أدب والحرص عليه سعد جده وأدرك أمله في الدنيا والآخرة.

وقد رزق الله ملكنا هذا السعيد الجد أنو شروان من العقل أفضل الرزق ومن النصيب أجزله وأعانه على ما رزق من ذلك بحسن الأدب والبحث عن العلم وطلب التفسير لجميع علوم الفلسفة والاستنباط عما غاب، والتخير للصواب مما ظهر، فبلغ في ذلك ما لم يبلغه ملك قط ممن كان قبله من الملوك.

وكان فيما يطلب من العلم ويبحث عنه أنه بلغه أن كتاباً من كتب الهند عند ملوكهم وعلمائهم نفيس مخزون وهو أصل كل أدب ورأس كل علم والدليل على كل منفعة ومفتاح طلب الآخرة والعمل للنجاة من هولها والمقوي لما يحتاج إليه الملوك لتدبير ملكهم ويصلحون به معايشهم وهو كتاب كليلة ودمنة.

فلما تيقن ما بلغه عن ذلك الكتاب وما فيه من منافع تقرية العقل والأدب لم يطمئن بالاً ولم يسكن حرصاً على استفادته والنظر فيه وفي عجائبه. وكان رجلاً عاقلاً أديباً. فسأهل أهل مملكته أن يختاروا رجلاً عاقلاً أديباً عالماً ماهراً بالفارسية والهندية حريصاً على العلم مجتهداً في استكمال الأدب مثابراً على النظر والتفسير لكتب الفلسفة فيؤتى به. فطلب الرجل حتى ظفروا به فأتي برجل شاب جميل ذي حسب كامل العقل والأدب، صناعته التي يعرف بها الطب وكان ماهراً بالفارسية والهندية يسمى برزويه.

فلما دخل عليه سجد له ثم قام مكفّراً فقال له الملك: يا برزويه إني قد اخترتك لما بلغني عن فضلك وعقلك وحسن أدبك وحرصك على طلب العلم حيث كان. وقد بلغني عن كتاب للهند مخزون بخزائنهم. وقصّ عليه قصته وأخبره بما بلغه عنه وعظيم رغبته فيه وأمره بالجهاز للخروج في طلبه وأن يتلطف بعقله ورفقه وحسن أدبه لاستخراج ذلك الكتاب من خزائنهم ومن قبل علمائهم إما مكتوباً بالفارسية فيستنقذه له هو وغيره من الكتب التي ليست في خزائنه ولا في ملكه.

وأمر أن يحمل معه من المال ما أراد، فإن نفذ قبل أن يصير إلى حاجته كتب إليه ليمدّه من المال ما أحب وإن كثر. وقال: لا تقصّر في طلب كل علم فليست النفقة عوضاً من الفائدة ولو أحاط بجميع ما في خزائني. وأمر المنجمين أن يتخيروا له يوماً يسير فيه وساعة صالحة. فخرج وحمل معه من المال عشرين ألف دينار.

ولما قدم برزويه على أرض ذلك الملك وتخلل مجالس الأسواق وسأل عن قرابة الملك والأشراف وعن العلماء والفلاسفة جعل يغشاهم في منازلهم ويتلقاهم بالتحية والمساءلة على باب الملك ويخبرهم أنه رجل غريب قدم بلادهم في طلب العلم والأدب، وأنه محتاج إلى معونتهم على ما طلب من ذلك ويسألهم إرشاده إلى حاجته. ومع شدة كتمانه لما قدم له لم يزل في ذلك زماناً طويلاً يتأدب بما هو أعلم به ويتعلم من العلوم ما هو ماهر فيه. واتخذ لطول إقامته إخواناً كثيرين من أهل الهند من الأشراف والسوقة ومن العلماء وأهل كل صناعة واختص من جماعتهم رجلا يسمى أدويهْ وجعله صاحب سره ومشورته لما ظهر له من حسن علمه وفضل أدبه وصحة إخائه ومحض مودته. وكان يستشيره في جميع الأمور إلا أنه كان يكتمه الأمر الوحيد الذي يعنيه. وكان يألوه باللطف لينظر هل يراه موضعاً لإطلاعه على سره.

فلم يزل يبحث عن ذات نفسه حتى وثق به وعرف أنه لما استودع من السر موضع وفيما طلب منه مجمّل وبما سئل مشفّع وفيما استعان به عليه مجتهد، فازداد له إلطافا. وكان إلى ذلك اليوم الذي رجا أن يكون قد بلغ فيه حاجته قد أعظم النفقة مع طول الغيبة في استلطاف الأصدقاء ومجالستهم على الطعام ومنادمتهم على الشراب لطلب الثقات منهم. فلم يطمئن لأحد ممن آخاه إلى لصديقه الذي ذكرناه. وكان ممك حكّم به برزويه صديقه ذلك والذي رد عليه وكيف فتّش عقله حتى وثق به واطمأن إليه أن قال له وهما خاليان: يا أخي ما أريد أن أكتمك من أمري شيئاً فوق ما كتمتك. فاعلم أني لأمري ما جئت وهوغير ما تراه يظهر مني. والعاقل يكتفي من الرجل بالعلامات من نظره وإشارته بيده لكي يعلم سر نفسه وما يضمر في قلبه.

قال له الهندي: إني وإن لم أكن بدأتك وأخبرتك بماله جئت وإياه طلبت وإليه قصت وإنك تكتم أمراً تطلبه وأنت مظهر غيره، فإنه لم يكن ليخفى عني ولكن لرغبتي في إخائك كرهت أن أواجهك به فإنه قد ظهر لي ما تكتم، وقد استبان لي ما أنت فيه وما تخفيه عني. فأما إذا فتحت الكلام فأنا مخبرك عن نفسك ومظهرر لك سريرة أمرك ومعلمك حالك الذي قدمت له. فإنك قدمت بلادنا لتسلبنا كنوزنا النفيسة فتذهب بها إلى بلادك لتسر بها ملكك. وكان قدومك بالمكر ومصادقتك بالخديعة ولكني رأيت من صبرك ومواظبتك على طلب حاجتك وتحفظك أن تسقط في طول مكثك عندنا بكلام يستدل به على سر أمرك فازددت رغبة في عقلك وأحببت إخاءك فلا أعلم أني رأيت رجلاً أرصن عقلاً ولا أحسن أدباً ولا أصبر على طلب حاجة، ولا أكتم للسر منك، ولا أحسن خلقاً ولا سيما في بلاد الغربة ومملكة غير مملكتك، وعند قوم لم تكن تعرف شيمهم وأمرهم. واعلم أن عقل الرجل يستبين في هذه الثماني الخصال: الأولى الرفق والتلطف، والثانية أن يعرف الرجل نفسه فيحفظها، والثالثة طاعة الملوك وأن يتحرّى ما يرضيهم، والرابعة معرفة الرجل موضع سره كيف ينبغي أن يطلع عليه صديقه، والخامسة أن يكون على أبواب الملوك أديباً حيّلاً ملق اللسان، والسادسة أن يكون لسره وسر غيره حافظاً، والسابعة أن يكون على لسانه قادراص فلا يفلظ من الكلام إلا ما قد تروّى فيه وقدّره فلا يطلع عليه إلا الثقة، والثامنة أن لا يتكلم إذا كان من المحفل عما لم يسأل عنه ولا يقول ما لم يستقينه ولم يظهر من الأمر ما يندم عليه. فمن اجتمعت فيه هذه الخصال كان هو الداعي إلى الخير والربح والمجتنب الشر والخسران. وهذه الخصال كلها بينة ظاهرة فيك واضحة لي منك، فالله يحفظك ويمتعني بمودتك. ومن اجتمعت فيه هذه الخصال الثماني كان أهلاً أن يشفع في طلبته ويسعف بحاجته ويعطى سؤله. ولكن حاجتك التي تطلب قد أرعبتني وأدخلت عليّ الوحشة والخشية فنسأل الله السلامة.

فلما عرف برزويه أن الهندي قد علم أن مصادقته إياه كانت مكراً وختلاً لطلب حاجته وأنزل ذلك منه منزلة اختلاس وسلب فلم يزجره ولم ينتهره ولكنه ردّ رداّ لينا كرد الأخ على أخيه باللين والإشفاق حتى اطمأن ووثق بقضاء حاجته. ثم قال للهندي: إني قد كنت هيّأت كلاماً كثيراً ووضعت له أصولاً وشعّبت فيه شعاباً وشجّنت له شجوناً وأنشأت له أغصاناً وأطرافاً. فلما اكتفيت به فعرفت باليسير أُبتُ عما كنت قد اختلقته فسلم الله لك في العقل والأدب فكفيتني مؤونة الكلام وحزت الجواب باليسير من القول والإسعاف بالحاجة كما قد بدا لي منك. فإن الكلام إذا انتهى إلى العلماء والسر إذا استودع اللبيب الحافظ ثبت وبلغ غاية أمل صاحبه قوياً ثابتاً كثبات القصر الذي أحكم أساسه بالصخور، وكالجبل الذي لا تزعزعه الرياح ولا تزلزله.

قال الهندي: لا شيء أفضل من المودة، فمن خلصت مودّته كان أهلاً أن يخلطه الرجل بنفسه ولا يذّخر عنه شيئاً مما عنده. ورأس الأدب حفظ السر فإذا كان السر عند الأمين الحافظ فهو موضعه مع أنه خليق أن لا يكتم وأن لا يكون سرا لأن السر إذا تكلم به لسانان صار إلى ثلاثة فشاع في الناس، حتى لا يستطيع صاحبه أن يجحده، كالغيم إذا كان متقطعاً فقال أحد إن هذا غيم متقطع، لم يكذبه أحد على ذلك بل يصدقه كل من يراه متقطعا. وأما أنا فقد اشتدّ سروري وابتهاجي بمودتك ومخالطتك. وهذا الأمر الذي تطلبه مني سر ليس بمكتتم ولا بد أن يفشو في المجالس. فإذا فشا وعلن هلكت نفسي هلاكاً لا أقدر على الخلاص منه بالفداء بمال وإن كثر لأن ملكنها فظّ غليظّ يعاقب على الطفيف فكيف على مثل هذا.

فقال برزويه: إن العلماء مدحت الصديق إذا كتم سر صديقه، وهذا الأمر الذي له قدمت إياك اعتمدت به ولك أفشيته ومنك أرجو الحاجة، وهو أمر جسيم وخطره عندي عظيم وأنا واثق بعقلك ولطفك وحسن تأتّيك وحيلتك في دركي ما أمّلته على يديك وبيمنك وبركتك وإن مسّتك في ذلك مشقة من خشية. وأنا أعلم أنك آمن من قبلي أن أطلع عليه أحداً ولكنك تتقي أهل بلادك المطيفين بالملك أن يشيّعوا ذلك. وأرجو أن لا يشيع لأني ظاغن وأنت مقيم وما أقمت فليس بيننا ثالث وإذا رحلت عنك أمنت نفسك أن تفشيه عليك.

وكان الهندي خازن الملك وبيده مفاتيح خزانته فأعطاه حاجته من الكتب. فلما وقف برزويه على مطلوبه أخذ في نسخ كليلة ودمنة وتفسيره وأقام على ذلك زماناً طويلاً. ثم عظمت فيه نفقته ومؤونته وأنصب في بدنه وسهر فيه ليلة ودأب فيه نهاره وهو على خوف من نفسه. فلما فرغ من ذلك الكتاب ومما رغب من سائر الكتب وأحكممها كتب إلى أنو شروان يعلمه بما لقي من النصب والروع وأنه قد فرغ من حاجته.

فلما انتهى الكتاب إلى أنو شروان وقرأه وعلم أنه قد فزع من حاجته فرح فرحاً شديداً ثم تخوف معالجة المقادير أن تنغّص عليه فرحه وينقض سروره وأمر بالكتاب إلى برزويه يسأله أن لا يعرج عن القدوم وأن يبسط أمله بما جدد له من حسن رأي الملك فيه، وأنه مفضله ومتخذه وزيراً وأن يبادر الأجل ويعزم على الصبر فإن عاقبته إلى خير ونجاة في الدنيا والآخرة.

ووجه بالكتاب مع بعض ثقاته مع البريد وأمره أن يسير في غير الجادة حذر أن يوجد فيفشو ما كان أسرّ فيذهب كل ما كان عمل ضلالاً.

فلما انتهى الرسول إلى برزويه دفع الكتاب إليه سرا. فلما قرأه تجهز للسفر وسار حتى قدم إلى أنو شروان. فأخبر بقدومه فأمر بإدخاله عليه. فلما رأى ما أصابه من التعب والنصب رقّ له وقال: أبشر أيها العبد الصالح فستأكل حلاوة ثمرة نصيحتك فقرّ عيناً فقد استوجبت الشكر من جميع الرعية وعظيم المكافأة منا وننزلك أفضل المنازل وأشرفها. وأمره أن يريح نفسه وبدنه سبعة أيام ثم يأتيه ذلك.

فلما كان الثامن دعا به وأمر أن يحضر العظماء والأشراف. فلما اجتمعوا وعنده برزويه أمر بإحضار الكتب التي قدم بها من الهند ففتحت وقرئ ما فيها على رؤوس الأشهاد. فلما حكوها على ألسن الحيوان والطير فرحوا فرحاً شديداً وشكروا الله على ما منّ به عليهم على يد برزويه. وأحسنوا الثناء عليه في إنصاب بدنه واستخراج الكتب لهم وإفادتها إياهم.

ثم أمر الملك بعد ذلك أن تفتح لبرزويه خزائن الجوهر والذهب والفضة والكسوة وأقسم عليه الملك إلا دخل وأخذ ما أحب منها وأن لا يقصر فإن ذلك كله ليس بعوض مما أفاده. فسجد برزويه للملك ودعا له ثم قال: أكرم الله الملك كرامة يجمع له بها شرف الدنيا والآخرة وأحسن جزاءه، فقد أغناني الله بحسن رأي الملك عن جميع عروض الدنيا بما وهب الله لي على يديك أيها الملك العظيم الخطير الكريم الخلق السعيد الجد. ولا حاجة لي إلى المال ولكن لسروري بموافقة الملك سيدي واتباع مسرّته آخذ من كسوة الملك تختاً من طراز قوهستان أتجمل به في خدمة الملك وعلى بابه.

فأخذه وذهب به إلى منزله ليفاخر مَن بباب الملك من أهل بيته وخاصته ثم قال: أصلح الله الملك وأكرمه. إن الإنسان إذا كان ذا عقل وأدب فأكرم وأعطي وأحسن إليه وجب عليه أن يشكر ذلك، وإن كان قد استوجبه قبل أن يعطاه. فأنا للملك شاكر أسأل الله له دوام السرور والغبطة في جميع الأمور. ولي أعز الله الملك حاجة هي أعظم الحوائج عندي وأكملها لدي وأشرفها قدراً عندي بعد رضا الملك. فإن رأى الملك أن يشفعني بحاجتي ويعطيني سؤلي فإنها يسيرة على الملك وعظيمة القدر والموقع مني. قال أنو شروان كسرى: سل تعط ما أحببت واشفع تشفع واذكر حاجتك تسعف بها وتكرم، فإن جزاءك عندنا عظيم. ولو سألت الشركة في الملك لم نردّ طلبتك فكيف ما سوى ذلك. فقل فإن جميع ما تسأل مبذول لك وحباً وكرامة.

قال برزويه: أكرم الله الملك وأحسن عني جزاءه فلست أمنّ على الملك بنصبي وعنائي. فله الفضل علي بما عوّضني وشركني في هذه الفائدة. والملك بكرمه وفضل رأيه قد كافأني وأحسن إلي فليعظّم المنّة على عبده باستتمام النعمة إليه وإلى أهل بيته ويشرّفه بأن يأمر بزرجمهر ابن البختكان وزيره ويعزم عليه أن يجهد نفسه في وضعه باباً يذكر فيه أمري وحالي ويبالغ في ذلك بأحسن الكلام وأزين الذكر وأحسن التأليف، ويأمر بذلك الباب إذا فرغ منه أن يضعه بين تلك الأبواب التي في الكتاب ليحيا به ذكري ما حييت في الدنيا وبعد وفاتي، فإنه إن فعل ذلكبي فقد شرّفني وأهل بيتي إلى آخر الأبد ما دام هذا الكتاب منشوراً في الدنيا يُقرأ.

فلما سمع الملك وعظماؤه مقالته عجبوا من عقله ومما سما إليه رأيه وما طلب من الشرف الدائم في الدنيا. وقال الملك: أنت أهل أن تشفع بطلبك فما أيسر ما طلبت في جنب ما تستوجب وإن كان عندئذ عظيم الخطر.

فأرسل الملك إلى وزيره بزرجمهر من ساعته فقال له: فقد علمت مناصحة برزويه وتحرّيه لمسرّتنا ومرضاتنا وركوبه الهول والمخاوف في حاجتنا، وإنصابه نفسه وبدنه فيما يسرّنا وما أصبنا على يديه من العقل والحكمة، وما عرضنا عليه لكي نعوضه من ذلك، فلم يقبل ورضي منا بالأمر اليسير. فإني جزاء له وكرامة أحب أن نشفعه في ذلك. ويسرني أن نجتهد في قضاء حاجته وأن تُكتب باباً مشابهاً لتلك الأبواب التي في ذلك الكتاب وتذكر فيه فضل برزويه وكيف كان بدء أمره وشأنه وطبّه وصناعته وأدبه وترفّعه من ذلك إلى بعثتنا إياه إلى الهند بأفضل ما تجد من المدح في الكلام بما تسرّني به وتسرّه وجميع أهل المملكة. فإنه يستحق ذلك منا ومنك خاصة لعظيم مجبتك الأدب والعلم وأهله. فإن اجتهادك في ذلك وترتيبه راجع فضله إليك. وكلما نظر فيه أحد من العلماء كنت شريك برزويه في ذلك الذكر. واجعل ذلك الباب أول الأبواب. فإذا أنت فرغت من ذلك الباب ووضعته موضعه فأرنيه حتى أجمع العظماء والأشراف والعلماء فتقرأه على رؤوسهم ليظهر لهم من علمك وأدبك واجتهادك في مسرّتنا ما خفي عليهم.

فلما سمع برزويه مقالة الملك وعظيم منزلته عنده خرّ له ساجداً وقال: أدام الله لك أيها الملك السرور والفرح وقرة العين، ورزقك من الشرف في الدنيا ما تفوق به جميع المخلوقين، وفي الآخرة أفضل المنازل مع الصالحين في جنات النعيم.

فخرج بزرجمهر من عند الملك فأخذ في وضع ذلك الباب ووصف أمر برزويه من أول ما دفعه أبواه في التعليم إلى أن بعثه الملك إلى الهند، وجاء به بأحسن ما يقدر عليه من الوصف وما عرف به من أدب برزويه وسيرته من أول ما عرفه، وما ظهر للناس من استحقاره الدنيا وزهده فيها ورغبته في الآخرة، ولم يترك من اخلاق برزويه وطبائعه شيئاً إلا ذكره بأحسن ما يقدر عليه بتأليف ونسق محكم. ثم أعلم الملك بفراغه منه وأنه قد وضعه في أول الكتاب وهو باب برزويه المتطبب.

فجمع أنو شروان العظماء والأشراف فدخلوا عليه ودعا بزرجمهر والكتاب بمحضر من برزويه فقرئ على رؤوس الأشهاد. ففرح الملك بذلك وبما أوتي بزرجمهر من العقل والعلم وبما اجتهد في مدح بزرجمهر من العقل والعلم وبما اجتهد في مدح برزويه من غير كذب ولا ادعاء باطل في المدح. فأمر له بجائزة عظيمة من المال والحلي والثياب، فلم يأخذ إلا كسوة كانت من ثياب الملك خاصة. وشكر له برزويه وقبّل رأسه ويده، وأقبل برزويه على الملك يشكره فقال: أدام الله لك أيها الملك والكرامة والجمال في الدنيا والآخرة بما أكرمتني به وأعظمت عليّ المنّة به من تشريفي بالجزاء وأفضل وأكمل ما جازى به أحد من خلقه وأعانني الله على تأدية شكرك ومبلغ رضاك وطاعتك، وعمّرك أقصى ومنتهى غاية ما عمّر به أحداً من آبائك في أفضل السرور وأعم العافية، ووصل ذلك بجزيل شرف الآخرة ورضوان الرب. إنه على ذلك قدير. وجزى الله بزرجمهر بن البختكان خير الجزاء وأحسن عني مكافأته.

فقد عجز لساني عن تأدية شكر الملك وشكره ولو أطنبت بكل ثناء وشكر. والله وليّ ذلك والقادر عليه والسلام.







شـريـف
مؤسس المنتدى
مؤسس المنتدى

ذكر
مصر

عدد المشاركات :: 7336

تاريخ التسجيل :: 07/05/2010

قصة رد: كتاب كليلة ودمنة

مُساهمة من طرف شـريـف في 6/7/2011, 6:01 pm

باب برزويه

قال برزويه رأس أطباء فارس وهو الذي تولى انتساخ هذا الكتاب وترجمته من كتب الهند: إن أبي كان من المقاتلة وكانت أمي من عظماء بيوت الزمازمة وكان مما ابتدأني به ربي أني كنت من أكرم ولد أبويّ عليهما، وكان لي أشد احتفالاً منهما لسائر إخوتي، وأنهما أسلماني في تعليم الكتّاب حتى بلغت في العلم، فلما حذقت الكتابة شكرت أبويّ ونظرت في العلم، وكان أول علم رغبت فيه علم الطب فحرضت عليه حتى إذا حصّلت منه جانباً عرفت فضله وازددت عليه حرصاً وله اتباعاً. فلما بلغت فيه إلى أن أدمنت نفسي على مداواة المرضى هممت بذلك في الناس قولاً وعملاً. ولما تاقت نفسي إلى ذلك ونازعت إلى أن تغبط غيري وتتمنى منازلتهم أبيت لها إلا الخصومة وقلت: يا نفس ألا تعرفين نفعك من ضرّك، ألا تنتهين عن تمنّي ما لا يناله أحد إلا قلّ متاعه وكثر عناؤه فيه وخباله عليه واشتدّت البلية عليه عند فراقه وعظمت التبعة منه عليه بعده.

يا نفس ألا تذكرين ما بعد هذه الدار فينسيك ذلك ما تشرهين إليه من هذه الدار. ألا تستحين من مشاركة العجزة الجهّال في حب هذه العاجلة الفانية التي من كان في يده منها شيء فليس له وليس بباق معه والتي لا يألفها إلى المغترّون الغافلون. فانصرفي عن هذه النسبة وأقبلي بقوتك وما تمليكن على تقديم الخير والأجر ما استطعت، وإياك والتسويف. واذكري أن لهذا الجسد وجوداً وآفات وأنه مملوءة أخلاطاً فاسدةً قذرة يجمعها لمنافع أربعة أخلاطٍ متغالبة تغمرهن الحياة. والحياة إلى نفاذ كاللصنم المفصّلة أعضاؤه إذا ركّبت تلك الأعضاء وصنّفت في مواضعها جمعها مسمارٌ واحد يمسك بعضها على بعض، فإذا أخذ المسمار تساقطت الأوصال.

يا نفس لا تغتري بصحبة أحبائك وأخلائك ولا تحرصي على ذلك كل الحرص فإن صحبتهم على ما فيها من السرور كثيرة الأذى والأحزان، ثم يختم ذلك بعاقبة الراق. ومثله مثل المغرفة التي لا تستعمل في سخونة المرق في جدتها. فإذا انكسرت صارت عاقبة أمرها إلى أن تحرق بالنار. فأمرت نفسي وخيّرتها الأمور الأربعة التي إياها يطلب الناس وإليها يسعون فقلت: ينبغي لمثلي في مثل العلم أن يطلب أيها أفضل: المال أم اللذات أم الصّون أم أجر الآخرة.

فاستدللت على الخيار من ذلك أني وجدت الطب محموداً عند العقلاء، ولم أجده مذموماً عند أحد من أهل الأديان والملل. ووجدت في كتب الطب أن أفضل الأطباء من واظب على طبه لا يبتغي بذلك إلا أجر الآخرة. فرأيت أن أواظب على الطب ابتغاء أجر الآخرة ولا أبتغي بذلك ثمناً وأكون كالتاجر الخاسر الذي باع ياقوتة كان مصيبا بثمنها غنى الدهر بخرزة لا تساوي شيئا. مع أني قد وجدت في كتب الأولين أن الطبيب الذي يبتغي بطبه أجر الآخرة لا ينقصه ذلك من حظه في الدنيا وأن مثله في ذلك مثل الزارع الذي إنما يحرث أرضه ويعمرها ابتغاء الزرع لا ابتغاء العشب، ثم هي لا محالة نابت فيها ألوان العشب.

فأقبلت على مداواة المرضى. فلم أدع مريضا أرجو له البرء ولا آخر لا آرجو له البرء إلا أني أطمع له في خفة الوجع والأذى إلا بلغت في مداواته جهدي. ومن قدرت على القيام قمت عليه ومن لم أقدر على القيام عليه وصفت له وأمرته وأعطيته ما يتعالج به من الدواء ولم أرد على ذلك أجرة ولا مكافأة. ولم أغبط من نظرائي ومن هو مثلي في العلم وفوقي من المال والجاه أحداً لغير ذلك ممن له صلاح وحسن سيرة.

يا نفس لا يحملنك أهلك وأقاربك على جميع ما تهلكين في جمعه إرادة لصلتهم ورضاهم فإذا أنت كالدخنة الطيبة التي تحرق بالنار ويذهب بعرفها آخرون.

يا نفس لا تغتري بالغنى والمنزلة التي ينظر إليها أهلها، فإن صاحب ذلك لا يبصر صغير ما يستعظم حتى يفارقه فيكون كشعر الرأس الذي يخدمه صاحبه ما دام على الرأس فإذا فارق رأسه استقذره ونفر منه.

يا نفس داومي على مداواة المرضى ولا تقلعي عن ذلك أن تقولي للطب مؤونة شديدة والناس لها ولمنافع الطب جهال. ولكن اعتبري برجل يفرج عن رجل كربه ويستنقذه منه حتى يعود بعده إلى ما كان فيه من الروح والسعة ما أخلقه لعظم الأجر وحسن الثواب. فإن كان الذي يفعل هذا برجل واحد يرجو ذلك كله فكيف الطبيب الذي يداوي العدة التي لا يعلمها إلا الله ابتغاء الأجر، فيصيرون بعد الأوجاع والأسقام الحائة بينهم وبين الدنيا ولذتها ونعيمها وطعامها وشرابها وأزواجها وأولادها إلى أحسن ما كانوا يكونون عليه من حال دنياهم. إن هذا لخليق أن يعظم رجاؤه ويثق بحسن الثواب على عمله.

يا نفس لا يبعدن عليك أمر الأخرة فتميلي إلى العاجلة فتكوني في استعمال القليل وبيع الكثير باليسير كالتاجر الذي زعموا أنه كان له ملء بيت من الصندل فقال: إن بعته موزونا طال علي، فباعه جزافاً بأخس الأثمان.

فلما خاصمت نفسي بهذا وآخذتها به وبصّرتها إياه لم تجد عنه مذهباً فاعترفت وأقرّت ولهت عما كانت تنزع إليه، وقامت على مداواة المرضى ابتغاء أجر الآخرة. فلم يمنعني ذلك أن أصبت حظا عظيما من الملوك قبل أن آتي الهند، وبعد رجوعي إلى ما نلت من الأكفاء والإخوان فوق الذي كان طمعي فيه وتجمح إليه نفسي وفوق ما كنت له آهلا.

ثم نظرت في الطب فوجدت الطبيب لا يستطيع أن يداوي المريض من مرضه بدواء يزيل عنه داءه فلا يعود إليه أبداً وغيره من الأدواء. والداء لا يؤمن عوده أو أشد منه. ووجدت عمل الآخرة هو الذي يسلم من الأدواء كلها سلامة فلا تعود إليه بعد ذلك فاستخففت في الطب ورغبت في الدين.

فلما وقع ذلك في نفسي اشتبه علي أمر الدين ولم أجد في الطب ذكراً لشيء من الأديان ولم يدلّني على أهداها وأصوبها. ووجدت الأديان والملل كثيرة من أقوام ورثوها عن آبائهم وآخرين خائفين مكرهين عليها وآخرين يبتغون بها الدنيا ومنزلتها ومعيشتها، وكلهم يزعم أنه على صواب وهدى فاستبان لي أنهم بالهوى يحتجون وبه يتكلمون لا بالعدل. وقد وجدت آراء الناس مختلفة وأهواءهم متباينة وكلاً على كل راد وله عدو ومغتاب ولقوله مخالف.

فلما رأيت ذلك لم أجد إلى متابعة أحد منهم سبيلاً وعلمت أني إن صدّقت منهم أحدا بما لا علم لي به أكن مثل المصدق المخدوع.







شـريـف
مؤسس المنتدى
مؤسس المنتدى

ذكر
مصر

عدد المشاركات :: 7336

تاريخ التسجيل :: 07/05/2010

قصة رد: كتاب كليلة ودمنة

مُساهمة من طرف شـريـف في 6/7/2011, 6:02 pm

باب الفحص عن أمر دمنة

قال الملك للفيلسوف: قد سمعت حديثك في محال العدو المحتال كيف أفسد اليقين بالشبهة حتى أزال المودة وأدخل العداوة، فحدثني إن رأيت كيف اطلع الأسد على ذنب دمنة حتى قتله وكيف كانت معاذيره ومدفعه عن نفسه.

قال بيدبا الفيلسوف: إنا وجدنا في كتب خبر دمنة أن الأسد لما قتل شتربة ندم على معالجته بالقتل وتذكر حرمته. وكان من جنود الأسد وقرابته نمر كان من أكرم أصحابه عليه، وأخصّم عنده منزلة، وأطولهم به خلوة بالليل والنهار. وكان الأسد بعد قتله شتربة يطيل مسامرة أصحابه ليقطع عنه بحديثهم بعض ما قد داخله من الكآبة والحزن بقتله الثور. وإن النمر لبث في سمره ذات ليلة حتى مضت هدأةٌ من الليل. ثم خرج من عنده منصرفا إلى منزله. وقد كان منزل كليلة ودمنة قرب منزل الأسد فدنا النمر من منزلهما ليصيب قبساً يستضيء به وكانا مترافقين.

فسمع النمر محاورتهما ونصت لهما حتى سمع كلامهما كله، ووجد كليلة قد أقبل على دمنة يعذله ويقبّح له رأيه وفعله ويعظّم له جرمه ويوبّخه بغدره. وكان فيما أنبه به أن قال: إن الذي هيجت بين الأسد والثور من العداوة بعد المودة والفرقة بعد الألفة والشحناء بعد السلامة بسخافة عقلك وقلة وفائك لمظهر أمرك ومطلع طلعه، ولازمك من بغيه ما تستوبل عاقبته وتستمر مذاقته. فإن الغدر وإن لان عاجلُه واستحليت فروعه مرّ العاقبة بعيد المهواة وخيم المزلقة، وإني باجتنابك وترك مقارنتك والاقتداء بك لحقيق، فلست بآمن على نفسي من معرّتك وشرهك وغدرك. وقد قالت العلماء: اجتنب أهل الريبة لئلا تكون مريباً. فإني تارك مقارنتك ومتباعد منك ومغترب عنك لسوء أخلاقك التي بها أنشبت العداوة بين الملك ووزيره الناصح المأمون، فلم تزل بتشبيهك وتمويهك بالباطل حتى حملته على القسوة وأورطته الورطة فقتله مظلوماً بريئاً.

قال دمنة: قد وقع من الأمر ما لا مردّ له فدع تضييق الأمور عليّ وعلى نفسك فإني سأعمل في التغييب عن موقع الأمر في نفس الأسد. فقد كرهت ما مضى مني. والحسد والحرص حملاني على ما صنعت.

فلما سمع النمر ذلك من كلامهما انصرف خفيّاً مسرعاً حتى دخل على اللبوءة أم الأسد فأخذ عليها عهداّ ألا تفشي سرّه إلى الأسد ولا إلى غيره. فعاهدته على ذلك فأخبرها بالقصة على وجهها من قول كليلة وإقرار دمنة.

فلما أصبحت أم الأسد أقبلت حتى دخلت على الأسد فوجدته مكتئباً حزيناً لقتله شتربة فقالت: إن حزنك غير رادّ عليك مدبراً ولا سائق إليك نفعاً، وأنت غنيّ عن أن تجعله للبلاء عوناً عليك فتضعف به فؤادك وتنهك به جسمك وتحمل به المضرة على نفسك، وأنت بحمد الله بتحصيل الأمور رفيق بصير بصادرها وواردها. فإن علمت أن لك في الحزن فرجاً فحمّلنا منه مثلما أنت فيه. وإنت علمت أن لك في الحزن فرجاً فحمّلنا منه مثلما أنت فيه. وإنت علمت أنك لا تُرجع به مدبراً ولا تسوق به إليك نفعاً فارغب عنه وانظر فيما يعود عليك نفعه. وإن اعتبار ما بلغك عن شتربة حتى يصحّ لك حقيق ذلك من باطله ليسير.
فقال الأسد: فكيف لي بذلك؟

قال أم الأسد: إن العلماء قد قالوا من أراد أن يعرف محبه من مبغضه وعدوه من صديقه فليعتبر ذلك من نفسه. فإن الناس على مثل ذلك له كما هو عليه لهم وإن أقنع ما شهد على امرئ نفسه. فلنا من قولك دليل على أن قلبك يشهد عليك بأنك عملت ما عملت بغير علم ولا يقين. وذلك فاعلم أنه رأس الخطأ. ولو كنت حين بلغك عن الثور ما بلغك كففت نفسك وملكت غيظك ثم عرضت ما بلغك عنه على قلبك بحسن النظر لاكتفيت بقلبك دليلاً على تكذيب ما أتاك عنه، لأن القلوب تتكافأ فيما يتلاقى بعضها من بعض في سرّها وعلانيتها. فقس أمرك وأمر الثور بموقع أمر كان في نفسك جنايته وموقعه اليوم بعد موته.

فقال الأسد: لقد أكثرت الفكر وحرصت على التجني على الثور بعد قتلي إياه لعلي آخذه في ذنب واحد كان فيما بيني وبينه أقوّي به تهمتي فما يزداد ظني به إلا حسناً وله وداً. ولست أتذكّر منه شرارة خلق أقول هي حملته على أن ابتدأني بالحسد ولا نقص رأي أتهمه به على طلب مغالبتي، ولا أتذكر مني إليه أمراً سيئاً أرى أنه دعاه إلى عداوتي. فإني أحب أن أفحص عن أمره وأبالغ في البحث عنه وإن كنت أعرف أن ذلك غير مصلح ما فرط مني. ولكني أحب أن أعرف موقعي الذي أنا عليه فيما صنعت من الخطأ أو الصواب. فأخبريني هل سمعت من أمره شيئاً تذكرينه لي.

قالت أم الأسد: نع قد بلغني أمر استكتمنيه بعض أهلك. ولولا ما قالت العلماء في إذاعة السر والتضييع للأمانات وأنت تترك ما لا نفع فيه وما منجى لأخبرتك بما علمت.

قال الأسد: إن العلماء لأقاويلهم وجوه كثيرة ومعان مختلفة وأحوال متصرفة، وليس في كل الوجوه أمر بالكتمان ولكل أمر موضع وخبر. فإذا كان في موضعه صلح العمل به ونفع، وإن كان في غير موضعه ضر وأفسد. فمما تعظم مضرّته ولا يرضى استقالته كتمان ما ينبغي له أن يعلن عذراً في إسراره ولا سعة في السكوت عنه. فإني أرى أن مطلعك عليه قد ألقى على نفسك وزره وحمّلك خيره وشرّه وأنت حقيقة بإظهاره، وحمله الوجل على نفسه من كتمانه، فألقي ما استودعت منه عنك بإفشائه إليّ وإظهاره.

قالت أم الأسد: قد عرفت الذي قلت وإنه كما قلت وإن كان في ما ذكرت ما يحملن يعلى كثير من الكلام لعلمي بموقع هذا الأمر في نفسك. فلا أراك إن كنت على ما أرى من الرأي أن يمنعك من العزم والمبالغة في نكال أهل الجريمة والغدر في اعتقاد الألفة والثقة والتصديق. فحدثني إن كان في نفسك مني حرج.

قال الأسد: ما في نفسي حرج ولا أنتِ عندي نمّامة ولا أنا في نصحك مرتاب ولا أرى عليك في ذلك من ضرر في إفشاء ذلك الأمر إليّ.

قالت أم الأسد: بل ضرر منه عليّ في خلال ثلاث: أما واحدة فانقطاع ما بين وبين صاحب هذا السر من المودة لإباحتي بسره، وأما الأخرى فخيانتي لما استُحفظت من الأمانة، وأما الثالثة فوجل من كانوا يسترسلون إلي قبل اليوم مني وقطعهم أسرارهم عني.
قال الأسد: الأمر على ما قلت وما أنا عمّا كرهت بالمفتش، وما يختلج في صدري الارتياب بنصحك، فأخبرني بجملة الأمر إن كرهت أن تخبريني باسم صاحب السر ما أسرّ إليك منه.

فأخبرته بجملة ذلك الحديث ولم تسمّ من ذكره لها. وكان فيما قالت أن قالت: إنه لا ينبغي للولاة والرؤساء استبقاء الخونة الفجرة أهل الغدر والنميمة والمحال والإفساد بين الناس بفساد صلاحهم. وأول من نفى عن الناس من يفسدهم وساق إليهم من يصلحهم القادة المتولّون لأمورهم. وأنت بقتل دمنة حقيق، فإنه قد كان يقال: إن إفساد أجلّ الأشياء من قبل خصلتين: إذاعة السر وائتمان أهل الغدر. وإن الذي أنشب العداوة بينك وبين شتربة أنصح الوزراء وخير الإخوان حتى قتلته غدر دمنة وجهالته ومكره وخيانته. وقد اطلعت على مكنونه وبدا لي ما كان يُخفي عليك وعلمته نحو ما كان يذكر من حديثه إياك قبل اليوم. فالراحة لك ولجندك وإن ظهر منه ما كان يكتم وعلن منه ما كان يبطن بقتله، فاقتله عقوبة لجريمته وإبقاءً على جندك فيما يُستقبل من شرّه. فإنه ليس على مثلها إن انتعش بمأمون. ولعلك أيها الملك أن ترْكن إلى ما أُمر به الملوك من العفو عن أهل الجريمة. فإن رأيت ذلك فاعلم أنه ليس في من بلغ جرمه جرم دمنة لأنه لا ذنب له أكثر مما جنى دمنة علانية وسراً بخلابته ومكره وتحميل الملك على البريء من وزرائه السليم صدره الناصح جيبه، حتى انطوى منه على حسده وقتله على شبهة.

ثم قالت: إني لست أجهل قول العلماء لتعظيم الفضل في العفو عن أهل الجرائم. ولكن الفضل في ذلك إنما هو دون النفوس أو جناية العامة التي يقع فيها الشين وتحتج بها السفهاء عندما يكون من أعمالهم السيئة واستعد بها الملك بالأمر الذي يضل خطره فيه إن كان إلى العامة.

فأمر الأسد أمه بالانصراف عنه وبعث حين أصبح إلى جنوده فأُدخل عليه وجوههم. فأرسل إلى أمه فحضرت المجلس ثم دعا بدمنة فأُتي به. فلما أقام بين يديه قلب الأسد يده بالتميثل به. فلما رأى دمنة ذلك أيقن بالهلكة فالتفت إلى بعض من يليه فقال له بصوت خفيّ: هل حدث من حديث أحزن الملك أو هل كان شيء جمعكم له كما أرى؟

قال دمنة: ما أرى الأول ترك للأخير مقالاً في شيء من معاريض الأمور. وقد جرى في بعض ما يقال أنّ أشدّ الناس اجتهاداً في توقي الشر أكثرهم فيه وقوعاً، ولا يكون للملك وجنوده المثل السوء. وقد علمت أن ذلك إنما قيل في صحبة الأشرار. إنه من صحبهم وهو يعلم عملهم لم ينجّه من شرورهم توقيه إياها. ولذلك انقطعت النساك بأنفسها واختارت الوحدة في الجبال على مخالطة الناس وآثرت العمل لله على العمل لخلقه لأنه ليس أحد يجزي بالخير خيراً إلى الله. فأما من دونه فقد تجري أمورهم على فنون شتى يكون مع ذلك في أكثرها الخطأ. وما أحد بأحق بإصابة الصواب من الملك الموفّق الذيا لا يصانع أحداً لحاجة به إليه ولا لعاقبة يتخوّفها منه. وإن كان أحق من ذلك من عظمت فيه رغبة الملوك من محاسن الصواب فمكافأة أهل البلاء الحسن عندهم. وما بلاء أبين حسناً من نصيحة. ولقد علم وعلمت وعلم جميع من حضر أنه لم يكن بيني وبين الثور أمر أضطغين عليه فيه حقداً ولا أبغي له غائلة، وما كان بذلك من ضرّ ولا نفع. ولكني نصحت الملك فيه وأعلمته ما اطلعت عليه من أمره حتى أبصر مصداق ما ذكرت له وكان فيه أفضل رأياً وأشد حزماً وعزماً. ولقد أعرف أنه قد تخوّف مثلها مني غير واحد من أهل الغش والعداوة فنصبوا نصبي وأجمعوا على طلب هلاكي. وما كنت أتخوّف أن يكون جزائي على النصيحة وحسن البلاء أن يحزن الملك على تركه إياي حيّاً.
فلما سمع الأسد قول دمنة قال: أخرجوه عني وادفعوه إلى القضاء، فليفتشوا عن أمره، فإني لست أحبّ أن أحكم على محسن ولا مسيء إلا بظهور وجه الحق والعدل.

فسجد دمنة للأسد ثم قال: أيها الملك إنه ليس أكشف للعمى ولا أوضح للشبهة ولا أشد استخراجاً لغامضات الأشياء من الاجتهاد والمبادرة فيما يصاب به ذلك. وقد علمت أيها الملك أن النار تكون مستكنّة في الشجر والحجارة فلا تخرج ولا تصاب منفعتها إلا بالعمل والطلب. ولو كنت مجرماً لتخوّفت التكشّف عن جرمي كما قد أصبحت لعلمي ببراءتي، أرجو أن يخرج الفحص والتكشف صحة أمري. وكذلك كل شيء طابت رائحته أو نتنت فاليوم يزيده فووحاً وظهوراً. ولو كنت أعرف مع ذلك لنفسي ذنباً أو جرماً لوجدت في الأرض مذهباً ولما لزمت باب الملك أنتظر ثواب عملي. ولكني أحب أن يأمر الملك من يلي الفحص عن أمري أن يرفع إليه في كل يوم ما يكشف من عذري وبراءتي ليرى فيّ رأيه ويعارض بعض أمري ببعض ولا يعمل في أمري بشبهات أهل البغي والعداوة، فإن الذي رأى الملك من تشبيههم عليه ما قد استبان من عداوة الثور لجدير أن يمنعه من الإقدام على قتلي بعد الذي علم من نصيحتي وحوطتي عليه ومن رأيه الذي قد علمه الملك من منزلتي في نفسي من خساسة الحال وصغر الخطر. وإني لست أستطيع أن أدفع نفسي عن نسبة العبودية ولا أطمع فيما يطمع فيه من فوقي. فإني وإن كنت عبد الملك فإن لي من عدله نصيباً أعرف أن الملك معطينيه من نفسي في حياتي وبعد موتي. فإن كان الملك أجمع على دفعي إلى من يبحث عن أمري وينظر في براءتي فإني أرغب إلى عدله ولا يغفل أمري وأن يأمر برفع معاذيري إليه يوماً بيوم. فإن كان الملك للبلاء المقدور عليّ وقلة استطاعتي لامتناع من القدر غير متروّ في أمري ولا متبحّث عن شأني ولا صارف العقوبة عني لقول أهل الشرارة والمحال على غير ذنب سلف مني، فلم يبق لي ناصرٌ ألجأ إليه إلا الله فإنه كاشف الكرب. وقد قالت العلماء: إنه من صدّق فيما يشبّه عليه بما ينبغي الشك فيه وكذّب بما ينبغي أن يصدّق فيه أصابه ما أصاب المرأة التي بذلت بمالها لعبدها بتشبيهه عليها.

قال الأسد: وكيف كان ذلك؟







شـريـف
مؤسس المنتدى
مؤسس المنتدى

ذكر
مصر

عدد المشاركات :: 7336

تاريخ التسجيل :: 07/05/2010

قصة رد: كتاب كليلة ودمنة

مُساهمة من طرف شـريـف في 6/7/2011, 6:03 pm

باب البوم والغربان

قال دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف. قد ضربت لي مثل إخوان الصفا المتعاونين المتحابين، فاضرب لي، إن رأيت، مثل العدو الذي ينبغي أن لا يغترّ به وإن أظهر حسن الصفح تضرّعاً وملقاً في العلانية.

قال الفيلسوف: من اغترّ بالعدو الأريب المعروف بالعداوة أصابه من ذلك ما أصاب الغربان.

قال الملك: وكيف كان ذلك؟

قال الفيلسوف: إنه كان بأرض في جبل من الجبال شجرة عظيمة كأعظم ما تكون من الدوح، ذات أغصان ملتفّة. وكان فيها وكرٌ لألف غراب عليهم ملك منهم. وكان في ذلك الجبل أيضاً مكان فيه ألف بومة عليهن أيضاً ملك منهن. فخرج الملك البوم ليلة لبعض أموره وفي نفسه عداوة لم تزل بين البوم والغربان. فأغار على الغربان بمن معه من البوم فقتل منهم كثيراً وجرح منهم كثيراً. فلما أصبح ملك الغربان جمع ذويه فقال لهم: قد رأيتم ما لقينا من البوم وكم أصبح فيكم من قتيل وجريح ومنتوف الرأس والجناح والذنب. وأشد من ذلك كله في نفس ضراوتهن ثم علمهن بمكانكم وجرأتهن عليكم مثل الذي ذقتم وهنّ غير غافلات عنكم فانظروا في أمركم في مهل.

وكان فيهم خمسة غربان معترف لهم بفضيلة الرأي، كان الغربان يسندون إليهم أمورهم ويفزعون إليهم فيما نزل بهم، وكان الملك يشاورهم في أموره ويأخذ برأيهم. فقال الملك لأحدهم: ما رأيك في هذا الأمر؟

قال الغراب: هذا رأي سبقتنا إليه العلماء فقالوا: ليس لعدوّ الحنق الذي لا يطاق له حيلة إلا الهرب منه.

قال الملك للثاني: ما رأيك أنت في هذا الأمر؟ قال: أما ما أشار به هذا من الفرار فلا أراه م الصواب. فكيف نجلو عن بلادنا وعن أوطاننا ونذلّ لعدوّنا عند أول نكبة أصابتنا، ولكنا نجمع أمرنا ونستعدّ لمجاهدة عدونا ونذكي العيون فيما بيننا وبينه ونحترس من العودة والغرّة، فإن أقبل إلينا عدونا لقيناهم مستعدين لقتالهم فقاتلناهم مزاحفة حتى تلقى أطرافنا أطرافهم، ونتحرز منهم تحرّزاً حصيناً وندافع عدونا بالأناة مرة وبالجهاد أخرى حتى نصيب فرصتنا أو يعيينا ذلك فنهرب وقد مهّدنا لنا عذراً.

قال الملك للثالث: وأنت ما رأيك؟ قال: ما أرى ما قال، ولكني أريد أن تذكى العيون والطرائع بيننا وبين عدونا فنتجسس ونعلم هل يريد عدونا صلحاً أو يقبل منا ديةً. فإن رأينا من ذلك أمراً موافقاً لم أكره أن نصالحهم على خراج نؤديه إليهم، فندع عن أنفسنا بأسهم ونطمئن في وطننا. فإنّ من الرأي للمولك إذا اشتدت شوكة عدوهم وخافوا على أنفسهم الهلكة والفساد على بلادهم والدمار على رعيتهم أن يجعلوا الأموال جنةً للملوك والبلاد والرعية.

قال الملك للرابع: فما رأيك في هذا الصلح؟ قال: لا أراه رأياً بل ترك أوطاننا والاصطبار على الغربة وشدة المعيشة خير من وضع أحسابنا والخضوع للعدو الذي نحن أشرف منه وأكرم. مع أني قد عرفت أن لو قد عرضنا ذلك عليهم لم يرضوا فيه إلا بالشطط. وقد كان يقال: قارب عدوك بعض المقاربة تنل حاجتك، ولا تقارب كل المقاربة فيجترئ عليك عدوّك ويضعف جندك ويذلّ نفسك. ومثل ذلك مثل الخشبة المنصوبة في الشمس إذا أملتها قليلاً زاد ظلها وإن جاوزت الحد في إمالتها نقص الظل. وليس عدونا براض منا بالدون من المقاربة. فالرأي لنا المحاربة والصبر.

قال للخامس: ما ترى، ألقتال أو الصلح أو الجلاء؟ فقال: أما القتال فلا سبيل إلا قتال من ليس المرء بقرن له لأن من يعرف نفسه وعدوّه فقاتل من ليس هو قرناً له فنفسه أجهد مع أن العاقل لا يستضعف عدواً. ومن فعل ذلك اغتر، ومن اغتر لم يسلم وإنا للبو شديدو الهيبة، ولو أضربت عن قتالنا وكنت أهابها قبل إيقاعها بنا. فإن الحازم لا يأمن عدوه على كل حال. فإن كان بعيداً لم يأمن معاودته، وإن كان قريباً لم يأمن مواثبته، وإن كان كثيفاً لم يأمن استطراده وكربه، وإن كان وحيداً لم يأمن مكره. وأكيس الأقوام من لم يلتمس الأمر بالقتال إذا وجد غير القتال سبيلاً. فإن النفقة في القتال إنما هي من الأنفس. وسائر الأشياء إنما النفقة فيها من المال. فلا يكونن قتال البوم من رأيك. فإن من يرى القتل لا يرى كل الخير.

قال الملك: إذا كرهت القتال ماذا ترى؟ قال: تؤامر وتشاور. فإن الملك المؤامر المشاور يصيب في مؤامرته نصحاً من ذوي العقول فيظفر بما لا يصيبه بالجنود والزحف وكثرة العدد. والملك الحازم يزداد في المؤامرة والتشاور ورأي الوزراء والحزمة، كما يزداد البحر بالسواعد من الأنهار. ولا يخفى على الحازم قدر أمره وأمر عدوّه وفرصة قتاله ومواضع رأيه ومكايدته، ولا ينفك يعرض الأمور على نفسه أمراً أمراً يتروّى في التقدم على ما يريد منه الأعوان الذين يستعين بهم عليها والعدة التي يعدها لهم. فمنلم يكن له رأي كذلك ولا نصيحة من الوزراء العقلاء الذي يقبل منهم، لا يلبث، وإن ساقت إليه الأحوال حظاً، أن يضيع أمره. فإن الفضل المقسوم لم يقيّض للجهّال ولا للحسب، ولكنه وكّل بالعاقل المستمع من ذوي العقلاء.

وأنت أيها الملك كذلك وقد استشتني في أمور أريد أن أجيبك في بعضها سراً وفي بعضها علانية. فأما ما لا أكره أن أعلنه فكما أني لا أرى القتال كذلك لا أرى الخضوع بالخراج والرضا بدل القهر. فإن العاقل الكريم يختار الموت صابراً محافظاً على الحياة عرياناً ذليلاً. وأرى ألا يؤخر النظر في أمرنا ولا يكونن من شأنك التثبط والتهاون، فإن التثبط والتهاون رأس المعجزة. فأما ما أريد إسراره فليكن سراً. فإنه قد كان يقال "إنما يصيب الملوك الظفر بالحزم، والحزم بأصالة الرأي، والرأي بتحصين الأسرار أو الرسل المستمعين للكلام أو من قبل الناظرين في أثر الرأي أو مواقع العمل أو من التشبيه والتطنّز. ومن حصّن سره فله من تحصينه إياه أمران: إما ظفر بما يريد وإما أن يسلم من ضره وعيبه إن أخطأ".

ولا بد لصاحب السر من مستشار مأمون يفضي إليه بسره ويعاونه على الرأي. فإن المستشير وإن كان أفضل من المستشار رأياً فإنه يزداد برأيه رأياً كما تزداد النار بالودك ضوءاً. وعلى المستشار موافقة المستشير على صواب ما يرى والرفق في تبصيره خطأ إن أتى به وتقليب الرأي فيما يشكل حتى يتفق شأنهما. فإذا لم يكن المستشار كذلك فهو على المستشير مع عدوه، كالرجل الذي يرقي الشيطان ليرسله على الإنسان، فإذا لم يحكم الرقية أضحى هو أسيراً للشيطان. وإذا كان الملك محصّناً للأسرار متحيّزاً للوزراء مهيباً في أنفس العامة بعيداً من أن يعلم ما في نفسه لا يضيع عنده حسن بلا مثلى. وإن كان ذا حزم مقتدراً لم يقتّر فيما ينفق ولم يسرف، كان خليقاً أن لا يسلب صالح ما أوتي. وللأشرار منازل. فمن الشر ما يدخل في الرهط، ومنه ما يدخل فيه الرجلان، ومنه ما يستعان فيه بالقوم. ولا أرى لهذا السرّ في قدر منزلته ألا يشترك فيه أربع آذان ولسانان.

فنهض الملك وخلا به واستشاره فكان فيما سأل عنه أن قال: هل تعلم ما كان بدء عداوة ما بيننا وبين البوم، قال: نعم، كلمة تكلّم بها غراب.

قال الملك: وكيف كان ذلك؟

أصل العداوة بين الغراب والبوم

قال الغراب: زعموا أن جماعة من الطير لم يكن لها ملك وأنها اجتمعت على بوميّ لتملّكه. فبينما في مجمعها إذ رفع لها غراب فقال بعضهن: انتظرن هذا الغراب فنستشيره في أمرنا. فأتاهن الغراب فاستشرنه، فقال الغراب: لو أن الطير بادت وفقد الطاووس والكركيّ والبط والحمام لما اضطررتن إلى تمليك البوم، أقبح الطير منظراً، وأسوئها مخبراً، وأقلها عقولاً، وأشدها غضباً، وأبعدها رحمة، مع ما بها من الزمانة والعشاء بالنهار. ومن شر أمورها سفهها وسوء خلقها إلا أن تملكنها وأنتن المدبرات للأمور دونها برأيكن وعقولكن. فإذا كان الملك جاهلاص ووزراؤه صالحين نفذ أمره وتم رأيه واستقام علمه ودامت مملكته كما فعلت الأرنب التي زعمت أن القمر ملكها وعملت برأيه كأنها مرسلة منه.

قالت الطير: وكيف كان ذلك؟

مثل ملك الفيلة ورسول الأرانب

قال الغراب: زعموا أن أرضاً من أراضي الفيلة تتابعت عليها السنون فأجدبت وقلّ ماؤها وغارت عيونها فأصابت الفيلة عطش شديد فشكوا ذلك إلى ملكهم. فأرسل ملك الفيلة رسله وروّاده في التماس الماء في كل ناحية. فرجع إليه بعض رسله فأخبروه أنهم وجدوا بمكان كذا وكذا عيناً تدعى القمرية كثيرة الماء. فتوجّه ملك الفيلة بفيلته إلى تلك العين ليشربوا منها وكانت الأرض أرض أرانب، فوطئت الفيلة الأرانب في أجحارها ومجاثمها، فاجتمعت الأرانب إلى ملكهن فقلن: قد علمت ما أصابنا من الفيلة فاحتل لنا قبل رجوعهم، فإنهم إذا رجعوا لوردهم أهلكونا.

قال الملك: ليحضرنّ كل ذي رأي منكن رأيه. فتقدم خزرٌ منها يدعى فيروز كان الملك قد عرفه بالأدب والرأي، فقال: إن رأى الملك أن يبعثني إلى الفيلة ويبعث معي أميناً يرى ويسمع ما أقول وأصنع ليخبر به الملك فليفعل.

قال ملك الأرانب: أنت أميني ونحن نرضى بك وبرأيك ونصدّق قولك فانطلق إلى الفيلة وبلّغ عني ما أحببت واعمل برأيك، واعلم أن الرسول به وبرأيه يعتبر عقل المرسل وكثير من شأنه. وعليك باللين والمؤاتاة فإن الرسول هو الذي يلين القلب إذا رفق ويخشّن الصدر إذا خرق.

فانطلق الخرز في ليلة فيها القمر طالع حتى انتهى إلى الفيلة، وكره أن يدنو منهن فيطأنه وإن هنّ لم يردن ذلك. فأشرف على تلّ فنادى: يا ملك الفيلة إنه أرسلني إليك القمر والرسول مبلّغ غير ملوم وإن أغلظ.

قال ملك الفيلة: وما الرسالة؟

قال فيروز: يقول القمر إنه من عرف فضل قوته على الضعفاء فاغترّ لذلك بالأقوياء كانت قوته خبالاً له. وقد عرفت فضل قوتك على الدواب فغرّك ذلك مني فعمدت إلى عيني التي تسمى باسمي فشربت ماءها وقذّرتها وكدّرتها بفيلتك. وإني أتقدم إليك وأنذرك أن تعود فأغشي بصرك واتلف نفسك. وإن كنت في شك من رسالتي فهلمّ إلى العين من ساعتك فإني موافيك فيها.

فعجب ملك الفيلة في قول فيروز، فانطلق إلى العين معه فنظر إليها فرأى ضوء القمر فقال له فيروز: هذ بخرطومك من الماء فاغسل وجهك واسجد للقمر. فأدخل الفيل خرطومه في الماء فتحرّك، فخيّل إليه أن القمر ارتعد فقال: ما شأن القمر ارتعد؟ أتراه غضب عليّ لإدخالي خرطومي في الماء؟ فقال فيروز: نعم فاسجد له ثانية. فسجد الفيل للقمر مرة أخرى وتاب إليه مما صنع به، وشرط له ألا يعود إلى تلك العين هو ولا شيء من فيلته.

قال الغراب: ومع ما ذكرت من أمر البوم أن من شأنها الخبّ والمكر والخديعة. وشرّ الملوك المخادع ومن ابتلي بسلطان المخادعين وحكّمهم أصابه ما أصاب الصفرد والأرنب اللذين حكّما السنور الصوام؟

مثل الصّفرد والأرنب والسّنّور الصّوّام

قال الغراب: كان لي جار من الصفارد في سفح جبل، وجحره قريب من الشجرة التي فيها وكري، فكان يكثر التقاؤنا ومواصلتنا على جوارنا. ثم فقدته فلم أدر أين غاب، وطالت غيبته حتى ظننت أنه قد هلك. فجاءت أرنب إلى مكان الصفرد ولبثت في ذلك المكان زماناً. ثم إن الصفرد رجع إلى مكانه، فلما وجد الأرنب فيه قال: هذا مكان فانطلقي عنه.

قالت الأرنب: المسكن في يدي، وأنت المدّعي، فإن كان لك حق فاستعد عليّ.

قال الصفرد: المكان مكاني، ولي على ذلك البيّنة.

قالت الأرنب: نحتج إلى القاضي.

قال الصفرد: إن قريباً منا على شاطئ البحر سنّوراً متعبداً يصلي النهار كله لا يؤذي دابة ولا يريق دماً، ويصوم الدهر لا يفطر، عيشه من العشب وورق الأشجار، فاذهبي الليلة إليه أحاكمك.

قالت الأرنب: نعم. فانطلقا جميعاً وتبعتهما لأنظر إلى الصوام العابد الزاهد وإلى قضائه بينهما، فلما صارا إلى السنوا قصّا عليه قصتهما.

فقال السنور: أدركني الكبر وضعف البصر، وثقلت أذناي فما أكاد أن أسمع فادنوا مني فأسمعاني قريباً. فأعادا القصة فقال: "قد فهمت ما قصصتما وأنا بادئكما بالنصيحة قبل القضية، فآمركما ألاّ تطلبا إلا الحق. فإن طالب الحق هو الذي يفلح وإن قضي عليه، وطالب الباطل مخصوم. وليس لصاحب الدنيا من دنياه شيء من مال ولا صديق إلا عمل صالح قدّمه. فذو العقل حقيق ويمقت ما سوى ذلك. ومنزلة المال عند العاقل منزلة المدر. ومنزلة الناس عنده فيما يحب لهم من الخير ويكره لهم من الشر منزلة نفسه". فلم يزل يقص عليهما ويستأنسان فيدنوان منه حتى وثب عليهما فضمّهما إليه فقتلهما جميعاً.

قال الغراب: فالبوم يجمعن مع سائر ما وصفت لكم المكر والخديعة فلا يكوننّ تمليك البوم من رأيكن. فلما سمع الطير خطبة الغراب أضربن عن رأيهن ولم يملّكن البوم.

وكان هناك بومة حاضرة سمعت كلام الغراب فقالت له: لقد وترتني أعظم التّرة، فما أدري هل كان سلف مني إليك سوءٌ استحققت به هذا منك؟ وإلاّ فاعلم أن الفؤوس يقطع بها الشجر فتنبت وتعود، والسيف يقطع به اللحم والعظم فيندمل ويلتئم، واللسان لا يندمل جرحه، والنصل من النشابة يغيب في الجوف ثم ينزع، وأشباه الأنصال من القول إذا وصلت إلى القلب لم تنزع ولم تستخرج. ولك حريق مطفئ، فللنر الماء، وللسم الدواء، وللعشق القرب، وللحزن الصبر، ونار الحق لا تخبو. وإنكم معاشر الغربان قد غرستم بيننا أبداً شجرة الحقد والبغضاء.

فقضت البوم مقالتها هذه وولت مغضبة وانصرفت موتورة، وندم الغراب على ما فرط منه، وقال في نفسه: "لقد خرقت فيما كان من قولي الذي جلبت به العداوة على نفسي وعلى قومي، ولم أكن أحقّ الطير بهذه المقالة ولا أعبأها بأمر ملكها. ولعلّ كثيراً قد رأوى الذي قد رأيت وعلموا الذي قد علمت فمنعهم من الكلام فيه اتقاء ما لم أتق والنظر فيما لم أنظر فيه من العاقبة. ثم لا سيما إذا كان الكلام مواجهة، فإن الكلام الذي يستقبل فيها قائله السامع بما يكره مما يورث الحقد والضغينة ولا ينبغي له أن يسمى كلاماً ولكن يسمّى سمّاً. فإن العاقل وإن كان واثقاً بقوله وفضله لا يحمله ذلك على أن يجني على نفسه عداوة وبغضاً اتكالاً على ما عنده من الرأي والقوة. كما أن العاقل لا يشرب السم اتكالاً على ما عنده من الترياق، وصاحب حسن العمل وإن قصّر به القول في بديهته تبين فضله عند الخبرة وعاقبة الأمر. وصاحب القو وإن هو أعجب ببديهته وحسن صفته فلا يحمد مغبّة أمره. وأنا صاحب القول الذي لا عاقبة له محمودة. أوليس من سفهي اجترائي على التكلم في الأمر الجسيم لا أستشيره فيه أحداً ولا أتروّى فيه مراراً، وأنا أعلم أن من لم يستشر الفصحاء الألبّاء بتكرار النظر والروية لم يسرّ بمواضع رأيه. فما كان أغناني عما كسبت في يومي هذا وما وقعت فيه".

فعاتب الغراب نفسه بهذا ثم انطلق.

فهذا ما سألتني عنه من العلة التي بدأت بها العداوة بين البوم والغربان.

قال الملك: قد فهمت هذا، فحدّثنا بما نحن أحوج إليه وأشر علينا برأيك والذي ترى أن نعمل به فيما بيننا وبين البوم.

قال: أما القتال فقد فرغت من رأيي فيه وأعلمتك كراهتي له. ولكن عندي من الرأي والحيلة غير القتال، وأنا أرجو أن أقدر من الحيل على بعض ما في فرج. فإنه رُبّ قوم قد احتالوا بآرائهم للأمر الجسيم حتى ظفروا منه بحاجتهم التي لم يكونوا يقدرون عليها بالمكثرة، كالنفر الذين مكروا بالنساك حتى ذهبوا بعريضه.

قال الملك: وكيف كان ذلك؟







شـريـف
مؤسس المنتدى
مؤسس المنتدى

ذكر
مصر

عدد المشاركات :: 7336

تاريخ التسجيل :: 07/05/2010

قصة رد: كتاب كليلة ودمنة

مُساهمة من طرف شـريـف في 6/7/2011, 6:03 pm

باب الأسد والشعهر الصوّام

قال الملك للفيلسوف: قد فهم مثل أهل الترات وحذر بعضهم بعضاً فاضرب لي إن رأيت مثل الملوك فيما بينهم وبين قرائبهم، وفي مراجعة من تراجع منهم بعد عقوبة أو جفوة تكون عن ذنب يذنبه أو ظلم يظلمه.

قال الفيلسوف: إن الملك إذا لم يراجع من أصابته جفوة أو عقوبة عن جرم اجترمه أو ظلم ظلمه أضرّ ذلك بالأمور والأعمال. وكان الملك حقيقاً بالنظر في حال من ابتلي بشيء من ذلك ويبلو ما عنده من العناء والذي يرجو منه النفع. فإن كان ممن يستعان به ويوثق برأيه وأمانته كان الملك حقيقاً بالحرص على مراجعته. فإن الملك لا يستطاع إلا بالوزراء والأعوان. ولا ينتفع بالوزراء والأعوان إلا بالمودة والنصيحة. ولا تصلح النصيحة والمودة إلا مع إصابة الرأي والعفاف الكثير. ومن يحتاج إليهم من العمال والأعمال كثير. ومن يجمع منهم الذي ذكرت من النصيحة وإصابة الرأي قليل. وإنما التمسك بالوجه الذي به يستقيم العمل أن يكون الملك عالماً من يريد الاستعانة به وما عند كل رجل منهم من الغناء والرأي، وما فيه من العيوب. فإذا استقر ذلك عنده من علمه أو علم من يؤتمن به وعمل ما يستقيم به وجّه لكل عمل من قد عرف أنّ عنده من الأمانة والنجدة والرأي ما يستقل بذلك، وإن الذي فيه من العيب لا يضرّ بذلك العمل. ويتحفّظ من أن يوجه عيوبه وعاقبة ما يكره منه. ثم على الملك بعد ذلك ألا يترك تعاهد عمّاله والتفقد لهم ولأمورهم حتى لا يخفى عليه إحسان محسن ولا إساءة مسيء. ثم عليهم بعد ذلك ألا يتركوا محسناً بغير جزاء ولا يقروا مسيئاً ولا عاجزاً على العجز والإساءة، فإنهم إن صنعوا ذلك تهاون المحسن وجترأ المسيء ففسد الأمر وضاع العمل. ومثل ذلك مثل الأسد والشعهر وهو ابن آوى.

قال الملك: وكيف كان ذلك؟

قال الفيلسوف: زعموا أنه كان بأرض كذا وكذا ابن آوى وكان متألّهاً متعففاً في بنات آوى وثعالب وذئاب. ولم يكن يصنع ما يصنعن ولا يغير كما يغرن ولا يريق دماً ولا يأكل لحماً. فخاصمته تلك السباع وقلن: لا نرضى بسيرتك ولا رأيك الذي أنت عليه من تألهك مع أن تألهك لا يغني شيئاً. وأنت لا تستطيع أن تكون أحدنا فتسعى معنا وتفعل فعلنا. فما الذي يمسك كفك عن الدماء واللحم؟

قال ابن آوى: إن صحبتي إياكم لا تؤثمني إذا لم أؤثم نفسي لأن الآثام ليست من قبل الأماكن والأصحاب، ولكنها من قبل القلوب والأعمال. ولو كان صاحب المكان الصالح يكون عمله فيه صالحاً وصاحب المكان السوء يكون عمله فيه سيئاً، إذاً كان من قتل الناسك في محرابه لم يأثم ومن استحياه في معركة القتال أثم. أترونني إن صحبتكم بنفسي لم يصحبكم مني قلب ولا عمل لأني أعرف ثمرة الأعمال.

فما عاش ابن آوى على حالته تلك وشهر النسك والنبالة في الرأي حتى بلغ ذلك الأسد، وكان ملك السباع بتلك الناحية. فرغب فيه للذي بلغه عنه من العفاف والصدق والأمانة. فأرسل إليه فكلّمه وفحصه ثم دعاه بعد أيام إلى صحبته، وقال: إن ملكي عظيم وأعمالي كثيرة وأنا إلى الأعوان محتاج، وقد بلغني عنك عقل وعفاف. ثم قدمت عليّ فازددت فيك رغبة، وأنا موليك من عملي جسيماً ورافع منزلتك إلى منزلة الأشراف وجاعل لك مني خاصة.

قال ابن آوى: إن الملوك أحقاء باختيار الاعوان لما يهتمون به من أعمالهم وأمورهم من غير أن يكرهوا على ذلك أحدا، لأن المكره لا يستطيع المبالغة في العمل. وأنا لعمل السلطان كاره وليست لي به تجربة ولا بالسلطان رفق. وأنت ملك السباع عندك من أجناس السباع عدد كثير، وفيهم أهل نبل وقوة وبهم على العمل حرص ولهم به رفق، فإن استعملتهم أغنوا عنك واغتبطوا لأنفسهم بما أصابوا من ذلك.

قال الأسد: دع عنك هذه المقالة، فإني غير معفيك من العمل.

قال ابن آوى: إنما يستطيع صحبة السلطان رجلان: أحدهما فاجر مصانع ينال حاجته ويسلم بمصانعته، والآخر رجل مهين مغفل لا يحسده أحد. فأما من أراد صحبة السلطان بالصحة والنصيحة والعفاف، ثم لا يخلط ذلك بمصانعة، فقلّ ما يسلم بصحته لأنه يجمع له عدو السلطان وصديقه بالعداوة والحسد. فأما الصديق فينافسه في منزلته ويبغي عليه فيها ويعاديه لها. وأما عدوّ السلطان فيضطغن عليه بنصيحته لسلطانه وإغنائه عنه. فإذا اجتمع عليه هذا الصفان تعرّض للهلاك.

قال الملك: لا يكونن بغي أصحابي عليك وحسدهم إياك وعداوة أعدائي لك مما يعرض في قلبك، فإني كافيك وبالغ بك في الكرامة والإحسان بهمتك.

قال ابن آوى: إن كان الملك يريد بي الإحسان والكرامة فليتركني أعيش في هذه البرية آمناً راضياً بعيشتي من الماء والحشيش. وقد علمت أن صاحب السلطان يصل إليه في ساعة واحدة من الأذى والخوف ما لا يصل إلى غيره طول عمره. وإن قليل العيش في أمر وطمأنينة خير من كثيره في خوف ونصب.

قال الأسد: قد سمعت مقالتك فلا تخافنّ شيئاص مما أراك تتخوفه. فلا بد من الاستعانة بك.

قال ابن آوى: أما إذا أبى الملك أن يعفيني فليجعل لي عهداً إن بغى علي أحد من أصحابه ممن هو فوقي خوفاً على منزلته، أو ممن هو دوني فنازعني منزلتي وذاكر الملك بلسانه أو لسان غيره مما يريد به تحميل الملك عليّ ألاّ يعجّل عليّ ويتثبّت فيما يرفع إليه من ذلك، ويفحص عنه ثم يقضي الملك فيما بدا له. فإني إذا وثقت بذلك من الملك أعنته بنفسي وعملت له فيما ولأني بنصيحة واجتهاد وحرصت على أن لا أجعل على نفسي سبيلاً.

قال الأسد: إن ذلك لك علي. فولاّه خزائنه واختصّه دون أصحابه في المشاوة والرأي في المنزلة وازداد به على الأيام عجباً وزاده كرامة وعملاً. فثقل ذلك على من يطيف بالأسد من قرائبه وأصحابه وعمّاله وعادوه وحسدوه وائتمروا به ليهلكوه. فلما أجمعوا على ذلك لكيدهم دسّوا ذات يوم للحم كان الأسد استطرفه واستطابه فأمر برفعه في موضع طعامه ليعاد عليه فسرقوه ثم أرسلوا به إلى بيت ابن آوى فخبأوه مخبّأ لا يطّلع عليه أحد. فلما كان من الغد ودعا الأسد بغدائه التمس ذلك اللحم فلم يجده وابن آوى غائب والقوم الذي أرادوا المكر به والمكيدة حضور. فألحّ الأسد في طلب اللحم حتى غضب. فنظر بعضهم إلى بعض، فقال أحدهم قول المخبر الناصح: إنه لا بد لنا من أن نخبر الملك بعلمنا فيما يضره وينفعه وإن شقّ ذلك عليه. إنه بلغني أن ابن آوى كان ذهب بذلك اللحم إلى منزله.

قال آخر: أراه شبيهاً أن يكون فعل هذا، ولكن انظروا وافحصوا فإن معرفة الخلائق شديدة.

قال آخر: لعمري ما تكاد السرائر يطّلع عليها أحد ولعلكم إن فحصتم وجدتم ذلك وثبت عندنا كل شيء كان يذكر لنا من عيوبه وخيانته، ونحن أحقاء أن نخذله ونقضي بكل ما كان يقال عنه.

قال آخر: ما ينبغي لأحد أن يغترّ بما يعلم في نفسه من المختالة. فإن المختالة لا يسلم صاحبها ولا تخفى له.

قال آخر: وكيف يسلم من خاتل السلطان أو كيف يخفي ذلك، ومخاتلة الأصحاب لا تكاد تخفى؟

قال آخر: لقد أخبرني مخبرٌ عن ابن آوى بأمر عظيم مما وقع في نفسي حتى سمعت كلامكم.

قال آخر: لكني لم يخف عليّ أمره وخبّه أول ما رأيته وقد قلت مراراً واستشهدت فلاناً أن هذا المخادع المتخشّع لا يسلم من الحيلة والخيانة.

قال آخر: لئن وجد هذا حقاً ما هي الخيانة فقط بل مع الخيانة كفر النعمة والجرأة على الذنوب.

قال آخر: أنت أهل العدل والفضل ولا أستطيع أن أكذبكم، ولكن سيتبين صدق هذا وكذبه لو أرسل الملك إلى بيت ابن آوى ففتشه.

قال آخر: إن وجب تفتيش منزله فالعجل العجل. فإن عيونه وجواسيسه مبثوثة بكل مكان.

قال آخر: إني قد علمت بأن ابن آوى لو فتش منزله واطلع على خيانته سيحتال بحيلته ومكره حتى يشبه على الملك فيعذره ويكفّ عنه.

فلم يزالوا بهذا الكلام وأشباهه حتى أوقعوا ذلك في نفس الأسد بالأتهام لابن آوى فدعاه فقال له: ما صنعت باللحم الذي أمرتك بالاحتفاظ به؟

فقال: دفعته إلى صاحب الطعام فلان ليقرّبه إلى الملك.

فدعا الملك صاحب الطعام وكان ممن شايع القوم، فسأله الملك عن اللحم فقال: ما دفع إليّ شيئاً.

فأرسل الملك أمناءه ليفتشوا منزل ابن آوى فوجدوا فيه اللحم فأتوه به. فدنا من الأسد ذئب لم يتكلم في شيء من تلك الأمور، وكان يظهر أنه من أهل العد ل والذين لم يتكلموا إلا فيما استبان لهم أنه حق فقال للأسد: إذا اطلع الملك على خيانة ابن آوى فلا يعفونّ عنه، فإنه إن عفا عنه لم يعد أحد يطلع الملك على خيانة خائن أو ذنب مذنب.

فأمر الأسد بابن آوى أن يخرج من عنده ويحتفظ به حتى يرى رأيه فيه.

قال عند ذلك بعض جلساء الأسد: إني لأعجب من رأي الأسد ومعرفته بالأمور وكيف خفي عليه أمر هذا فلم يعرف خبثه ومخادعته.

قال آخر: بل أعجب من هذا أني لا أراه إلا بتنصّل عنه بعد الذي ظهر عليه منه.

ثم إن الأسد أرسل بعضهم إلى ابن آوى يسأله عن عذره فرجع إليه من ابن آوى برسالة كاذبة غضب منها الأسد فأمر بابن آوى أن يقتل.

فبلغ ذلك أم الأسد فعرفت أن الأسد قد عجّل في أمره فأرسلت إلى الذين أمروا بقتله أن يؤخروه ودخلت على ابنها فقالت: لأي ذنب أمرت بابن آوى أن يقتل؟

فأخبرها الأسد بالأمر.

قالت: "عجّلت يا بني وإنما يسلم العاقل من الندامة بترك العجلة وبالأخذ بالأناة. وليس أحد أحوج إلى التؤدة والتثبيت من الملوك. فإن المرأة بزوجها والولد بالوالدين والمتعلم بالمعلم والجند بالقائد والناسك بالدين والعامة بالملوك والملوك بالتقوى والتقوى بالعقل والعقل بالتثبيت. ورأس الحزم للملك معرف أصحابه وإنزاله إياهم منزلتهم واتهام ببعضهم ببعض. فإنه إن وجد بعضهم إلى هلاك صاحبه سبيلاً وإلى تهجين بلاء المبلين وإحسان المحسنين والتغطية على إساءة المسيئين لم يدعوا ذلك ويؤثر ذلك سريعاً في ضياع الأمر وانتشاره وجلب عظيم الضرر والعيب.

"وقد كنت بلوت ابن آوى واختبرت أدبه ومروءته قبل استعانتك به وتفويضك إليه، فلم تزل عنه راضياً ولا تزداد على مر الأيام إلا استصلاحاً وإليه استرسالاً وفيه رغبة. فأمرت بقتله في طابق من لحم فقدته. عسى أصحابه أن يكونوا قد ألزموه عندك ذنباً باطلاً لحسدهم وتعاونهم عليه.

"فاعلم أن الملوك إذا وكلوا إلى غيرهم ما ينبغي مباشرته من أمورهم والزموا أنفسهم مباشرة ما ينبغي لهم تفويضه إلى الكفاة ضاعت أمورهم ودعوا الفساد إلى أنفسهم. إن الملوك يحتاجون إلى النظر في وجوه شتى من الأمور، فإذا آثروا بعض تلك الوجوه على بعض لم يأمنوا خطأ البصر وزلل الرأي، كصاحب الخمر الذي إذا أراد أن يشتريها احتاج إلى اختيار لونها وريحها. فإن هو أهمل الاختيار أو بعض ذلك لم يأمن الغبن والخسران. وكاليراعة يراها الجاهل في ظلمة فيقضي عليها بالمعاينة قبل أن يلمسها أنها نار، فإذا لمسها تبين له خطأ قضائه. وكنت حقيقاً أن تنظر في أمر ابن آوى نظر تثبيت فتعلم أنه لم يكن يأكل اللحم الذي كنت ربما أمرت له بالكثير منه بل يجلعه في طعامك وطعام جندك، وأنه ليس خليقاً لسرقة قليل من اللحم أمرته بالاحتفاظ به. فافحص عن أمره فإنه لم تزل عادة الأرذال والأنذال حسد أهل المودة والفضل والأذى لهم والاشتغال بهم. ولابن آوى مروءة وفضل فعسى أعداؤه من أصحابك أن يكونوا ائتمروا لوضع ذلك اللحم إذا أصابت البضعة من اللحم نافسها كثير من الطير. والكلب إذا أصاب العظم وأخذه في فيه اجتمعت عليه عدة من الكلاب. فإذا لم تنظر إلى أعداء ابن آوى من أصحابك فانظر لنفسك ولا تنقادنّ لهم فيما تدعو به الضرر إلى نفسك. فإن أعظم الأشياء على الناس عامة والولاة خاصة أمران: أن يحرموا صالح الأعوان والوزراء والأخوان، وأن يكون وزراؤهم وأخوانهم غير ذوي مروءة ولا غناء. ولم يزل غناء ابن آوى عنك عظيما يؤثر منفعتك على هواه ويشتري راحتك بمصلحته ورضاك بسخط الأصحاب ولا يكتمك سراً ولا يطوي عنك أمراً ولا يرى شيئاً إلا احتمله منك أو بذله وإن عظم عظماً كبيراً. فمن كان من الأصحاب هذه صفته فإنما منزلته منزلة الآباء والأبناء والإخوان".

فبينما أم الأسد في كلامها إذ دخل على الملك بعض ثقاته فأطلع الأسد على براءة ابن آوى. فلما علمت أم الأسد أن الأسد قد وقف على براءة ابن آوى قالت: "أما وقد اطلعت على جرأة أصحابك وتعاونهم عليه فلا ترضينّ بذلك منهم ولا تدعنّ تشتيت ذات بينهم حتى تقطع منك الشفة عليهم. فلا يتخذوك مركباً فتعوّدهم الاحتمال على ضرك بوشهيم. ولا تغترّنّ بسلطانك فيدعوك ذلك إلى استصغارهم والتهاون بأمرهم. فإن الحشيش الضعيف إذا جمع فقتل صار منه الحبل القوي الذي يوثق به الفيل الشديد.

"وأعد لابن آوى منزلته وخاصته ولا يؤيسنّك من مناصته ما فرط إليه منك من الإساءة. فإنه ليس كل من أساء ينبغي له أن يتخوف غشّ من أسيء إليه وعداوته وييأس من نصيحته ومودته. ولكن ينبغي أن ينزل الناس في ذلك منازلهم على اختلاف ما بينهم. فإن منهم من إذا ظفر بقطيعته كان الرأي أن تقطع صلته ويمتنع عن معاودته، ومنه من لا ينبغي تركه وقطيعته على حال من الأحوال. ومن عرف بالشرارة ولؤم العهد وقلة الوفاء والشكر والبعد من الورع وقلة الاحتمال للأصحاب والإخوان وإن لم يكن عليه منهم مؤونة، فهذا حقيق أن تغتنم قطيعته ويمنع من وصله. ومن لم يكن فيه شيء من هذه الخلال وبذل الإخوانم معروفة واحتمل مكروهاً إن كان منهم ومؤونتهم وإن ثقلت، وعرف فضله على غيره في الورع والمساعدة على الدهر في جميع الأمور والحالات، فهذا حقيق أن يغتنم وصله ويمتنع من قطيعته".

فدعا الأسد بابن آوى واعتذر إليه مما كان منه وأخبره أنه معيده إلى منزلته وولايته. فقال ابن آوى: "إن شرّ الأخلاء من التمس منفعة نفسه بضر أخيه ومن كان غير ناظر له كنظره لنفسه أو كان يريد أن يرضيه بغير الحق واتباع هواه. وكثيراً ما يقع ذلك بين الأخلاء وقد كان من الملك إليّ ما علم فلا يغلظنّ على نفسه ما أخبره به أني به غير واثق. فإن من كان قد أصيب بعظيم من البلاء غير مستوجب له أو كان قد أزيل عن مرتبته وولايته أو كان قد سلب ماله ظلماً أو كان مقرّباً فأقصي من غير علة أو كان قد استحق من نظرائه ثواباً فأثيبوا دونه وفضّلوا عليه، أو كان معروفاً بإفراط الحرص والشره أو كان يرى في منفعة السلطان ضراً أو في ضره له نفعا، كل هؤلاء يحق على السلطان ألا يسترسل إليه ويثق بهم، لأن كل هؤلاء حقيق أن يكونوا عليه مع عدوه. وقد صرت اليوم في بادئ الرأي عرضاً لأعداء الملك وليس ما أنا عليه للملك من المودة والنصيحة بمناع الملك اتهامي وسوء الظن بي. وليس ما ظهر له من مودتي ونصيحتي يؤمّنني من عودة أعدائي بحمل الملك عليّ بالباطل والكذب إشفاقاً من مكافأتي لهم وحرصاً عليّ ألا يتقرر عند الملك كذبهم فيما حملوا به علي. فإن فعلوا ذلك لم يحتاجوا في قبول الملك ذلك منهم إلى عون أقوى من هذه التهمة التي قد وقعت في نفس الملك من تخوّفه لصحبتي وسوء ظنه بي وسرعته إلى تصديق أعدائي فيما نسبوه إلي. فإذا كان حال الملك بالثقة بي وحالي في الثقة به على ما وصف فلينظر أي وجه يريدني عليه من صحبته. فإن الملوك لا ينبغي لهم أن يصحبوا من عاقبوه أشدّ العقاب".

قال الأسد: إني قد بلوت طبائعك وأخلاقك، فمنزلتك في نفسي منزلة الكرماء الأخيار. والكريم تنسيه الخلة الواحدة من الإحسان ألف خلّة من الإساءة، واللئيم تنسيه خلة واحدة من الإساءة ألف خلة من الإحسان. فأنا واثق بك أنه سينسيك ما سلف من إحساننا إليك الذي فرط منا في أمرك وقد عدنا إلى الثقة بك فعد إلى الثقة بنا وبما قبلنا فإنه لك في ذل غبطة وسرور.

فعاد ابن آوى إلى ولاية ما كان يليه من أمر الأسد فلم تزل الأيام تزيده ارتفاعاً واغتباطاً حتى هلك.

فهذا باب وزراء السلطان وأعوانه وقرائبه.







شـريـف
مؤسس المنتدى
مؤسس المنتدى

ذكر
مصر

عدد المشاركات :: 7336

تاريخ التسجيل :: 07/05/2010

قصة رد: كتاب كليلة ودمنة

مُساهمة من طرف شـريـف في 6/7/2011, 6:04 pm

باب السائح والصائغ والقرد والببر والحية

قال الملك للفيلسوف: قد سمعت ما ذكرت من أمر الملوك فيما بينهم وبين قرابتهم وفي مراجعتهم من تراجع منهم فأخبرني عن الملك إلى من ينبغي له أن يصنع المعروف ومن يحق له أن يثق به ويرجو عونه.

قال الفيلسوف: إن الملك وغيره جدر أن يؤدوا الخير إلى أهله وأن يؤمّلوا من كان عنده شكر وحمد ولا ينظروا إلى قرابتهم وأهل خاصتهم ولا إلى أشراف الناس وأغنيائهم وذوي القوة منهم، ولا يمتنعوا أن يصطنعوا إلى أهل الضعف والجهد والضعة. وإن الرأي في ذلك أن يجربوا ويختبروا أصاغر الناس وعظماءهم في شكرهم أو قلة شكرهم وفي حفظهم الود أو غدرهم. ثم يكون عملهم في ذلك على قدر الذي يرون أو يبدو لهم. فإن الطبيب الرفيق لا يداوي المرضى بالمعاينة لهم فقط ولكنه ينظر إلى فضول البدن ويجسّ العرق ثم يكون العلاج على نحو المعرفة وقدرها. ويحق على المرء اللبيت إن وجد قوماً ذوي مهابة لهم وفاء وشكر من البهائم ما كان مألوفاً أنيساً أن يحسن فيما بينه وبينهم، ولعله يحتاج إليهم يوماً من الدهر فيكافئوه. فإن العاقل ربما حذر الناس ولم يأمن على نفسه أحدا منهم، وربما أخذ ابن عرس فأدخله كنّه والطير فوضعه على يده. وقد قيل: لا ينبغي لذي العقل أن يحتقر كبيراً ولا صغيرا من الناس ولا من البهائم، ولكنه جدير بأن يتولاهم ويكون ما يصنع إليهم على قدر الذي يرى منهم. وقد مضى في ذلك مثل ضربه بعض الحكماء.

قال الملك: وكيف كان ذلك؟

قال الفيلسوف: ذكروا أن ناساً انطلقوا إلى مغارة فحفروا فيها ركيّة للسباع فوقع فيها رجل صائغ وببر وحي وقرد، فلم تتعرض البهائم لذلك الرجل بشيء. فمر رجل سائح بالبئر فاطلع فيها فلما رآهم فكّر في نفسه وقال: ما أراني مقدماً عملاً لآخرتي أفضل من أن أخلص الإنسان من بين هؤلاء الأعداء. فأخذ رسناً فأدلاه إليه فتعلق به القرد لخفته فأصعده. ثم أعاده الثانية فتشبث به الببر فأخرجه. ثم كرّه الثالثة فالتوت به الحية فاستنقذها. فشكرن له صنيعه وقلن: لا تخرج هذا الرجل فتخلصه من الركية فإنه ليس حيّ أقل شكراً من الإنسان. ثم قال له القرد: إن وطني بجانب مدينة يقال لها برجوان. وقال الببر أيضا: أنا في أجمة إلى جانبها. وقالت الحية: وأنا أيضاً في سورها فإن أتيتها يوماً من الدهر أو ممرت بنا فاحتجت إلينا فنوّه بنا حتى نأتيك ونجازيك بما أوليتنا وأحسنت إلينا.

ثم إن السائح أدلى الحبل إلى الرجل الصوّاغ ولم يلتفت إلى ما ذكر له القرد والببر والحية من قلة شكره، فاستخرجه فأثنى عليه وسجد له وقال: إنك أوليتني معروفاً جسيماً أنا حقيق بفعله، فإن قضي لك أن تأتي مدينة برجوان فسل عني بها لعلي أجازيك ببعض ما كان من الجميل علي.

ومضى كل واحد منهم لوجهه. فمكث السائح حينا، ثم عرضت له حاجة نحو المدينة فسار إليها فلقيه القرد فسجد له ثم قبّل يده ورجله واعتذر إليه وقال: إني لا أملك شيئاً ولكن اطمئن ساعة حتى آتيك ببعض ما نصيب منه. ثم انطلق فلم يلبث أن جاء بفاكهة طيبة فوضعها قدامه وحياه.
ثم توجه السائح نحو المدينة فلقي الببر فسجد له وحياه وقال: لقد أوليتني معروفاً جسيماً كبيراً فلا تبرح حتى أرجع. فلم يستبطئه حتى ذهب إلى ابنة الملك فقتلها وأخذ حليها ثم أتاه فدفعه له من غير أن يعلمه من أين هو.

فقال السائح في نفسه: هذه البهائم قد أولتني هذا وصنعته بي فكيف لو انتهيت إلى الصواغ فإنه إن كان معسراً لا شيء عند سيبيع لي هذا الحلي بثمنه فيعطيني بعضه ويأخذ بعضه.

ثم إن السائح دخل المدينة فأتى منزل الصائغ فرحّب به وأدخله بيته، فلما أبصر بالحلي معه عرفه فقال: اطمئن حتى آتيك بطعام تأكله فإني لست أرضى لك بما في البيت.

فانطلق الصواغ حتى أتى باب الملك فأرسل إلى الملك برسالة "أن الرجل الذي قتل ابنتك وأخذ حليها قد أخذته وهو عندي محبوس".

فأرسل الملك إلى السائح فأخذه. فلما رأى الحلي معه أمر به أن يعذّب ويطاف به في المدينة ثم يصلب. فلما وقع ذلك به وطيف بالمدينة جعل يبكي ويقول بأعلى صوته: لو أني أطلعت القرد والحية والببر فيما أمروني به لم يصيبني هذا البلاء.

فسمعت الحية هذه المقالة وخرجت للحال من جحرها. فلما أبصرته اشتد عليها أمره وفكرت في الاحتيال لخلاصه فانطلقت إلى ابن الملك فلدغته في رجله. فبلغ ذلك الملك فدعا أهل العلم ليرقوه فرقوه فم يغنوا عنه شيئاً. ثم إنهم نظروا في النجوم واحتالوا له حتى تكلم الغلام فقال: لا أبرأ حتى يأتيني هذا السائح فيرقيني ويمسحين بيده. وقد أمر الملك بقتله ظلماً وعدواناً.

وقد كانت الحية ذهبت إلى أخت لها من الجن فأخبرتها بحالها وبما صنع إليها ذلك السائح من المعروف. فرقّت له الجنة وانطلقت إلى ابن الملك فتحيّلت حتى وصلت إليه فقالت له: إعلم أنك لا تبرأ حتى يرقيك هذا السائح المظلوم.

وانطلقت الحية إلى السائح فأخبرته بذلك وقالت: ألم أنهك عن الإنسان فلم تطعني. وأعطته شجرة تنفع من سمها وقالت له: إذا صرت إلى الملك فارق الغلام واسقه من ماء هذه الشجرة فإنه يبرأ، ثم أصدق الملك الحديث فإنك تنجو إن شاء الله.

وإن الملك لما دعا الرقاة ولم ينتفع بشيء قال له ابنه: "إن شفائي عند هذا الناسك الذي قد أخذته وأمرت بعذابه". فأمر الملك أن يكف عن عقوبته وأن يؤتى به. فلما أوتي به أمره أن يرقي ابنه فقال: لست أحسن الرقيّ ولكني أدعو له بدعوة أرجو أن يكون فيها شفاؤه. فقال: إنما دعوتك لتخبرني بحاجتك. فقصّ السائح على الملك أمره والذي كان من صنيعه إلى الصواغ والببر والحية والقرد والذي قلن له في أمره، والذي حمله على أن يأتي مينته ثم قال: "اللهم إن كنت تعلم أني صادق فيما ذكرت فعجل لابن الملك الخلاص مما هو فيه والشفاء والعافية". ثم سقاه من ماء الشجرة فبرئ الغلام مما كان به وكشف الله عنه. فأكرم الملك السائح ووصله وأحسن إليه وأمر بالصائغ أن يصلب فصلب.

ثم قال الفيلسوف للملك: ففي صنيع الصواغ بالسائح وكفره له بعد استنقاذه إياه وشكر البهائم له وتخليص بعضها إياه عبرة للمعتبرين وفكرة لمن فكروا في وضع المعروف والإحسان عند أهل الوفاء والكرم، قربوا أو بعدوا، لما في ذلك صواب الرأي وجلب الخير وصرف المكروه. فهذه عاقبة المعروف.

باب الناسك والضيف

قال الملك للفيلسوف: قد سمعت ما ذكرت من امرئ كف عن ضر غيره لضر يصيبه أو بلية تدخل عليه، فأخبرني إن رأيت عن من يدع عمله الذي يليق به ويشاكله ويطلب سواه فلا يدركه فراجع الذي كان في يده فلا يقدر عليه فيبقى حيران متردداً.

قال الفيلسوف: زعموا أنه كان في أرض الكرخ ناسك مجتهد فنزل به ضيف ذات يوم فدعا بتمر ليطرفه به فأكلا منه جميعاً. ثم إن الضيف قال: ما أحلى هذا الثمر وأطيبه وليس في بلادي التي أسكنها نخل وبودي أن آخذ منه فأغرسه في أرضنا. قال الناسك: ليس لك في ذلك كبير منفعة، ولعل النخل لا يوافق أرضكم. وبلادكم كثيرة الأثمار مع وخامة التمر وقلة موافقته للجسد. ثم قال له الناسك: إنه لا يعد سعيداً من احتاج إلى ما لا يجد وليس بمعذور عليه فتشره لذلك نفسه ويقل عنه صبره ويصل إليه من ثقل ذلك واغتنامه ما يضرّه ويدله على المشقة عليه. وإنك أنت لعظيم الجد وجزيل الحظ لو قنعت بما رزقت وزهدت فيما لا تظفر به ولا تدرك طلبتك منه. فقال الضيف: وفقت ورشدت وقد سمعت منك كلاماً غريباً أعجبني واستحسنته. فلو علمتنيه فإن لي فيه رغبة وفي علمه حرصاً. فقال الناسك: ما أخلقك أن تقع بما تركت من كلامك وتكلفت من كلام العربانية في مثل ما أصاب الغراب.

قال الضيف: وكيف كان ذلك؟

قال الناسك: زعموا أن غراباً رأى مرة حجلة تمشي فأعجبته مشيتها وطمع في تعلّمها وراض نفسه عليها فلم يقدر على إحكامها. فانصرف إلى مشيته التي كان عليها فإذا هو قد نسيها فصار حيران مترددا لم يردك ما طلب ولم يحسن لما كان في يديه فصار أقبح الطير مشياً.

وإنما ضربت لك هذا المثل لتعلم أنك خليق إذ تركت لسانك الذي طبعت عليه وتكلفت عليه وتكلفت علم ما لا يشاكلك من كلام العبرانية ألا تدركه وتنسى الذي كان في يديك من غيره. فإنه قد قيل: "يعد جاهلاً من حاول من الأمور ما لا يشبهه وليس من أهله ولم يدركه آباؤه ولا أجداده من قبله ولم يعرفوا به قبلاً".

قال الفيلسوف للملك: إن الولاة في قلة تعاهدهم الرعية في هذا وأشباهه اليوم أسوأ تدبيراً لانتقال الناس من بعض المنازل إلى بعض وتركهم منها ما قد لزموه وجرت لهم المعايش فيه من قبل الملوك، والتماس أهل الطبقة السفلى مراتب الطبقة العليا وانتشار الأمور وفساد الأدب ومنازعة اللئيم للكريم. ثم الأشياء تجري على مثال ذلك حتى تنتهي إلى الخطر العظيم الجسيم من مزاحمة الملك في ملكه ومضادّته فيه.

باب الأسد والثور

قال دبشليم ملك الهند لبيدبا رأس الفلاسفة: اضرب لي مثل الرجلين المتحابين يقطع بينهما الكذوب الخائن ويحملهما على العداوة.

قال بيدبا: إذا ابتليَ الرجلان المتحابان بأن يدخل بينهما الكذوب الخائن تقاطعا وتدابرا.







شـريـف
مؤسس المنتدى
مؤسس المنتدى

ذكر
مصر

عدد المشاركات :: 7336

تاريخ التسجيل :: 07/05/2010

قصة رد: كتاب كليلة ودمنة

مُساهمة من طرف شـريـف في 6/7/2011, 6:05 pm

باب الغراب والمطوقة والجرذ والسلحفاة والظبي

قال الملك لبيدبا: قد سمعت مثل المتحابين يقطع بينهما الخؤون المحتال. فاضرب لي مثل إخوان الصفا، وكيف يكون بدء تواصلهم واستماع بعضهم من بعض.

قال العالم العاقل: إنه لا يعدل بصالح الإخوان شيء من الأشياء لأن الإخوان هم الأعوان على الخير كله والمؤاسون عند الشدائد. ومن أمثال ذلك مثل الغراب والحمامة المطوقة والجرذ والسلحفاة والظبي.

قال الملك: وكيف كان ذلك؟

قال الفيلسوف: زعموا أنه كان بأرض من الأرضين مكان كثير الصي يتصيد فيه الصيادون، وكان في ذلك المكان شجرة عظيمة كبيرة الغصون متلفة الورق، وكان فيها وكر غراب. فبينما الغراب ذات يوم على الشجرة إذ أبصر رجل من الصيادين قبيح المنظر، سيء الحال، على عاتقه شرك يحمله، وفي يده عصا، مقبلاً نحو الشجرة، فذُعر منه الغراب وقال: لقد ساق هذا الرجل إلى هذا المكان أمر فسأنظر ماذا يصنع. فأقبل الصياد فنصب شركه ونثر حبّه وكمن في مكان قريب، فلم يلبث إلا قليلاً حتى مرت به حمامة يقال لها المطوقة، وكانت سيدة حمام كثير وهنّ معها. فأبصرت المطوقة وسربها الحبّ ولم يبصرن الشرك فوقعن فيه جميعاً. ثم أقبل الصياد إليهن مسرعاً فرحاً بهن. وانفردت كل حمامة منهن عن ناحيتها تعالج نفسها لتفرّ. فقالت لهن المطوقة: لا تتخاذلن في المعالجة، ولا تكونن نفس واحدة منكن أهم إليها من نفس صاحبتها، ولكن لنتعاون جميعاً لعلنا نقتلع الشرك فينجي بعضنا بعضاَ. ففعلن ذلك واقتلعن الشرك، فطرن به في السماء وتبعهن الصياد، وظن أنهن لن يتجاوزن قريباً حتى يثقلهن الشرك فيقعن.

فقال الغراب: لأتبعهن حتى أنظر إلى ما يصير أمرهن وأمر الصياد. والتفتت المطوقة فرأت الصياد يتبعهن، لم ينقطع رجاؤه منهن، فقالت لصواحبها، إني أرى الصياد جاداّ في طلبكن، فإن استقمتنّ في الفضاء لن تخفين عليه. ولكن توجّهن إلى الخير والعمران، فإنه لن يلبث أن يخفى عنه منتهاكن فينصرف آئساً منكن. وأنا أعرف فيما بلينا به مكاناً قريباً من العمران والريف فيه جحر جرذ، وهو صديق لي، فلو انتهينا إليه قطع عنا هذا الشرك وما عنّفنا منه.

فتوجهن حيث قالت المطوقة، فخفين من الصياد، وانصرف آئساً منهن. ولم ينصرف الغراب بل أراد أن ينظر هل لهن حيلة يحتلنها للخروج من الشرك فيتعلمها، وتكون له عدة لأمر إن كان.

فلما انتهت المطوقة بهن إلى الجرذ أمرت الحمام بالوقوع فوقعن، ووجدن حول جحر الجرذ منئة ثقب أعدها للمخاوف، وكان مجرباً للأمور داهية. فنادته المطوقة باسمه، وكان اسمه أيزك، فأجابها الجرذ من جحره قائلا: من أنت؟ قالت أنا خليلتك المطوقة. فأقبل إليها مسرعاً. فلما رآه في الشرك قال لها: ما أوقعك في هذه الورطة وأنت من الأكياس؟

قالت المطوقة: ألم تعلم ما يفعل الجهل في عقل المرء؟ فإن الغباوة أوقعتني في هذه الورطة، وهي التي رغّبتني في الحب وأعمت بصري عن الشرك حتى لججت في أنا وأصحابي. وليس أمري وقلة امتناعي من مصائب الدهر بعجيب، فقد لا ينجو منها من هو أقوى مني وأعظم شأناً. قد تًكسف الشمس والقمر إذا قضي عليهما ذلك، وقد تصاد الحيتان في الغمر ويستنزل الطير الذي يحول دون الحازم وطلبته.

ثم إن الجرذ أخذ بقرض العقد التي كانت فيها المطوقة. فقالت له المطوقة: ابدأ بعقد صواحبي ثم أقبل على عقدي. فأعادت عليه القول مرارا، كل ذلك والجرذ لا يلتفت إلى قولها، ثم قال لها: قد كررت علي هذه المقالة كأنك ليست لك بنفسك رحمة ولا ترين لها حقا.

فقالت المطوقة: لا تلمني على ما أمرتك به، فإنه لم يحملني على ذلك إلا أني تلكفت الرئاسة على جماعة هؤلاء الحمام، فلذلك لهن علي حق، وقد أدّين إليّ حقي في الطاعة والنصيحة، وبطاعتهن ومعونتهن نجّانا الله من صاحب الشرك. وتخوّفت، إن أنت بدأت بقطع عقدي، أن تملّ وتكسل عند فراغك من ذلك عن بعض ما بقي من عقدهن. وعرفت أنك، إن بدأت بهن وكنت أنا الآخرة، أنك لا ترضى، وإن أدركك الفتور والملل أن تدع معالجة قطع وثاقي عني.

قال الجرذ: وهذا مما يزيد أهل المودة لك والرغبة فيك رغبة ووداً.

ثم أخذ الجرذ في قرض الشبكة حتى فرغ منها، وانطلقت المطوقة وحمامها إلى مكانهن راجعات آمنات.

فلما رآى الغراب صنيع الجرذ وتخليصه الحمام، رغب في مصادقة الجرذ وقال: ما أنا من مثل ما أصاب الحمام بآمن، ولا أنا عن الجرذ ومودته بغنىً.

فدنا من جحر الجرذ، ثم ناداه باسمه فأجابه الجرذ: من أنت؟

قال: أنا غراب كان من أمري كيت وكيت، وإني رأيت من أمرك ووفائك لأخلائك الحمام ما رأيت، فتبين لي صفاء ودّك وحسن صداقتك فرغبت في إخائك، وجئتك لذلك.

قال الجرذ: ليس بيني وبينك سبب تواصل، وإنما ينبغي للعاقل أن يطلب ما يجد إليه سبيلاً ويترك ما طلب ما لا يكون، لئلاً يعد جاهلاً فيشيه رجلاً أراد أن يجري السفن في البرّ والعجل على الماء. وكيف يكون بيني وبينك تواصل وإنما أنا طعام لك؟

قال الغراب: اعتبر بعقلك أن أكلي إياك، وإن كنت لي طعاماً، لا يغني عني شيئا، وأن بقاءك ومودتك أيسر لي وآمن ما بقيت. ولست حقيقاّ إذ جئت أطلب مودتك أن ترجعني خائباً، فإنه قد زهر لي حسن خلقك، وإن كنت لا تلتمس ظهوراً. فإن ذا العقل لا يخفى فضله وإن هو أخفى ذلك جهده، كالمسك الذي يكتم وختتم ثم لا يمنع ذلك ريحه من الفيوح، وعبيره من الانتشار. فلا تغلّبنّ عليك خلقك، ولا تمنعني ودّك وملاطفتك.

قال الجرذ: إن أشد العداوة عداوة الجوهر، وهما عداوتان: منها عداوة متحاذية متكافئة كعداوة الفيل والأسد، فإنه ربما قتل الأسد الفيل، وربما قتل الفيل الأسد. ومنها عداوة الجوهر يحصل ضرّها من أحد الجانبين على الآخر كعداوة ما بيني وبين السنّور وكعداوة ما بيني وبينك، فإن العداوة مني ليس بضر مني عليكما، ولكنها للضر عليّ منكما. وليس لعداوة الجوهر من صلح، فإن الماء، وإن أسخن وأطيل إسخانه، فليس يمنعه ذلك من إطفاء النار إذا صبّ عليها. وإنما صاحب المصالح كصاحب الحية يحملها في كمّه. وليس يستأنس العاقل إلى العدو، ولا يسترسل إليه، وإن كان عاقلاً آربيا.

قال الغراب: قد فهمت ما تقول، وأن حقيق أن تأخذ بفضل خليقتك وتعرف صدق مقالتي ولا تصعّب الأمر فيما بني وبينك بقولك: "ليس لنا إلى التواصل سبيل". فإن العقلاء الكرماء يبتغون إلى كل معروف وصلة وسبيلاً. والمودة بين الصالحين بطيء انقطاعها، سريع اتصالها. ومثل ذلك مثل الكوز من الذهب الذي هو بطيء الانكسار، هيّن الإعادة والإصلاح إن أصابه كسر. والمودة بين الأشرار سريع انقطاعهما، بطيء اتصالها، كالكوز من الفخار يكسره أدنى عيب، ثم لا وصل له أبدا. والكريم يود الكريم على لقاء واحد أو معرف يوم، واللئيم لا يصل أحداً إلا عن رهبة أو رغبة. وأنت كريم وأنا إلى ودك محتاج، وأنا لازم بابك وغير ذائق طعاما حتى تؤاخيني وتواصلني.

قال الجرذ: قد قبلت إخاءك. فإني لم أردد ذا حاجة قط عن حاجته، وإنما ابتدأتك بما ابتدأتك به للاعتذار عن نفسي. فإن أنت غدرت بي لا تقل: وجدت الجرذ ضعيف الرأي، سريع الانخداع.

ثم خرج من جحره، فقام عند الباب، فقال له الغراب: ما يحبسك عند باب الجحر؟ وما يمنعك من الخروج إلي والاستئناس بي؟ أفي نفسك ريبة بعد؟

قال الجرذ: إن أهل الدنيا يتعاطون بينهم أمرين، يتواصلون عليهما، وهما ذات النفس وذات اليد. فأما المتبادلون ذات النفس فهم الأصفياء المتخالصون. وأما المتبادلون ذات اليد فهم المتعاونون والمستمتعون الذين يستمع بعضهم بالانتفاع من بعض. ومن كان يصنع المعروف التماس الجزاء أو اكتساباً لبعض منافع الدنيا، فإنما مثله فيما يعطي ويمنع مثل الصياد وإلقائه الحب للطير لا يريد به نفعها، ولكن يريد نفع نفسه. فتعاطي ذات النفس أفضل من تعاطي ذات اليد. فإني قد وثقت بذات النفس ومنحتك مثل ذلك من نفسي. وليس يمنعني من الخروج إليك سوء ظن، ولكني قد عرفت أن لك أصحاباً جوهرهم كجوهرك، وإنما رأيهم فيّ ليس كرأيك، فأنا أخاف أن يراني بعضهم معك فيهلكني.

قال الغراب: إن من علامة الصديق أن يكون لصديق صديقه صديقاً، ولعدو صديقه عدوا، وإنه ليس لي بصاحب ولا صديق من لم يكن له محبا. وإنما تهون عليّ قطيعة من كان كذلك، لأن زارع الريحان إذا نبت في ريحانه شيء من النبات الذي يضرّ به ويفسده اقتلعه واقتلع من ريحانه معه.

ثم إن الجرذ خرج إلى الغراب، فتصافحا وتعانقا وتصافيا، واستأنس كل واحد منهما بصاحبه، فأقاما على ذلك أياما إلى ما شاء الله.
ومضت بينهما على ذلك مدة من الدهر، حتى قال الغراب يوماً للجرذ: إن جحرك قريب من طريق الناس، وأنا أخشى على نفسي من ذلك، وقد عرفت مكاناً ذات عزلة وخير وبركة، ولي فيه صديق من السلاحف، وهناك عين كثيرة السمك، وأنا واجد عندها ما آكل، وأريد أن أنطلق إليها فأعيش معها آمنا.

قال الجرذ: وأنا أحب أن أنطلق معك فإني لمكاني هذا كاره.

قال الغراب: وما تكره من مكانك؟

قال الجرذ: إن لي أخباراً وقصصاً سأقصها عليك لو انتهينا إلى المكان الذي تريد.

فأخذ الغراب بذنب الجرذ، فطار به حتى بلغ حيث أراد. فلما دنا من المكان الذي فيه السلحفاة، ورأت السلحفاة غراباً ومعه جرذ ذعرت منه، ولم تعلم أنه صاحبها، فغاصت في الماء، فوضع الغراب الجرذ، وقعد على شجرة فنادى السلحفاة باسمها، فعرفت صوته وخرجت إليه، ورحّبت به وسألته من أين أقبل. فأخبرها الغراب بقصته وقصة الصياد حين تبع الحمام، وخلاص المطوقة بواسطة الجرذ، وما كان من أمره بعد ذلك وأمر الجرذ حتى انتهينا إليها.

فلما سمعت السلحفاة شأن الجرذ تعجبت من عقله ووفائه، ورحبت به وقالت: ما ساقك إلى هذه الأرض؟

فقال الغراب للجرذ: ارو لنا الأخبار والقصص التي زعمت أنك تحدثني بها فاقصصها الآن إذ سألتك السلحفاة عنها، فإن السلحفاة منك بمثل منزلتي.







شـريـف
مؤسس المنتدى
مؤسس المنتدى

ذكر
مصر

عدد المشاركات :: 7336

تاريخ التسجيل :: 07/05/2010

قصة رد: كتاب كليلة ودمنة

مُساهمة من طرف شـريـف في 6/7/2011, 6:05 pm

قصة الجرذ والناسك

بدأ الجرذ في قصصه وقال: كان أول منزل نزلته في مدينة من المدائن في بيت رجل من النساك. ولم يكن للناسك عيال. وكان يُؤتى كل يوم بسلة من الطعام، فيأكل منها حاجته ثم يضع بقية الطعام فيها ويعلقها في البيت. فكنت أرصد الناسك حتى يخرج، فإذا خرج وثبت إلى السلة فلم أدع فيها طعاماً إلا أكلته، ورميت به غلى الجرذان. وجهد الناسك مراراً ليعلق تلك السلة معلّقاً لا أناله فلم يقدر على ذلك. ثم إن ضيفاً نزل بالناسك ذات ليلة فتعشيا جميعاً، حتى إذا كان عهد الحديث قال الناسك للضيف: من أي أرض أنت وأين توجهك الآن؟ وكان الضيف رجلاً قد طاف الأرض، ورأى العجائب فأخذ يحدث الناسك بما وطئ من البلدان ورأى من الأمور. وجعل الناسك من خلال ذلك يصفق بيديه أحياناً لينفّرني عن السلة. فغضب الضيف وقال: أحدثك وتصفّق كأنك تهزأ بحديثي، فما حملك على أن تسألني؟ فاعتذر الناسك للضيف وقال: إني قد أنصت لحديثك، ولكني قد صفّقت لأنفّر الجرذان عن سلة طعامي، ولقد تحيّرت في أمرها. لست أضع في البيت طعاماً إلا أكلته.

قال الضيف: أجرذ واحد هو أم أكثر؟

قال الناسك: بل جرذان كثيرة، وفيها جرذ واحد هو الذي غلبني فلا أستطيع له حيلة.

قال الضيف: ما هذا الأمر؟ إنه ليذكرني قول الرجل الذي قال لامرأته: لأمر ما باعت هذه المرأة السمسم مقشوراً بغير مقشور.

قال الناسك: وكيف كان ذلك؟

**
مثل البائعة السمسم المقشور بغير المقشور

قال الضيف: نزلت مرة على رجل بمدينة كذا وكذا، فتعشّيا ثم فرش لي وانقلب الرجل وزوجته إلى فراشهما، وبيني وبينهما خُصّ من قصب. فسمعت الرجل وامرأته في بعض الليل يتكلمان، فإذا الرجل يقول لامرأته: أريد أن أدعو غداً رهطاً ليأكلوا عندنا. فقالت امرأته: كيف تدعو الناس إلى طعامك وليس في يديك فضل عن عيالك، وأنت رجل لا تستبقي شيئاً ولا تذّخره. قال الرجل: لا تندمي على شيء أنفقناه وأطعمناه، فإن الجمع والإذّخار ربما كانت عاقبة صاحبه كعاقبة الذئب.

قالت المرأة: وكيف كان شأن الذئب؟

باب القرد والغيلم

قال الملك للفيلسوف: قد سمعت مثل الرجل المغترّ بالعدوّ والأريب المبدي التضرع والملق يريد بهما المكر والخديعة وما أصابه، فاضرب لي إن رأيت مثل الرجل الذي يطلب الحاجة حتى إذا ظفر بها أضاعها.

قال الفيلسوف: إن إصابة الحاجة أهون من الاحتفاظ بها. ومن ظفر بأمر لم يحسن الاحتفاظ به أضاع ما أصاب، كالغيلم الذي طلب قلب القرد فلما استمكن منه أضاعه.

قال الملك: وكيف كان ذلك؟

قال الفيلسوف: زعموا أن جماعة من القرود كان لها ملك يقال له قاردين، فطال عمهر حتى أنحله الهرم. فوثب عليه قرد شاب من شبان رهطه فقال: قد هرم هذا وليس يقوى على الملك ولا يصلح له. ووافقه على ذلك جنده فنفوا الهرم عن ملكهم وملّكوا الشاب. فانطلق الهرم حتى لحق بالساحل فانتهى إلى شجرة من تين نابتة على حافة البحر، فجعل يأكل من تينها، فسقطت من يده تينة في الماء وفي الماء غيلم، وهو السلحفاة الذكر، عند مسقط التينة فأخذها وأكلها. ولما سمع القرد للتين وقعاً في الماء أعجبه ذلك فأولع بإلقاء التين في الماء. وجعل الغيلم يأخذه فيأكله ولا يشك أن القرد إنما يطرح ذلك التين من أجله. فخرج الغيلم إلى القرد فتصافحا وتصافيا وتصادقا وألف كلّ واحد منهما صاحبه. فلبثا زماناً لا ينصرف الغيلم إلى أهله فحزنت زوجته لغيبته، وشكت ذلك إلى جارة لها، قالت: قد خفت أن يكون عرض له عارض شرّ.

قالت لها صديقتها: لا تحزني فإنه قد بلغني أن زوجك بالساحل مع قرد أليفة. فهما يأكلان ويشربان جميعاً، قد ألهاهما الأمر، فلذلك طالت غيبته عنك فانسَيه ولا يهن عليك إذ هنت عليه، وإن استطعت أن تحتالي للقرد فتهلكيه فافعلي، فإن القرد إذ هلك أقام عندك زوجك.

فأسحتَت زوجة الغيلم لونها وضعّفت نفسها حتى أصابتها نهكة شديدة وهزال. ثم إن الغيلم اشتاق إلى أهله فقال بعد حين: لألمّنّ بأهلي فقد طالت غيبتي. فأتى منزله فوجد زوجته سيئة الحال. فقال: يا حبّ كيف أنت ومال أراك منهوكة؟ فلم تجبه. فأعاد عليها المسألة فأجابت عنها جارتها فقالت: ما أشد حال زوجتك! أمّا مرضها فشديد، وأما دواؤها فعزيز الوجود. فهل لشدة الداء وعدم الدواء إلا الموت. فقال الغيلم: أخبريني بالدواء لعلي ألتمسه حيث كان. قالت الجارة: هذا المرض نحن معشر الغيلم أعلم به وليس له دواء إلا أن يؤخذ له قلب قرد فيُداوا به.

قال الغيلم في نفسه: هذا امر عسير، من أين أقدر على قلب قرد إلا قلب صديقي. أفأغدر به وإثم الغدر شديد. ولكن أليس هلاك الزوجة أشد من ذلك؟ فكيف أهلك زوجتي وهذا أمر لا عذر لي فيه. ثم قال: إذا لم يستطع الرجل عظيماً إلا باحتمال صغير كان حقيقاً أن لا يلتفت إلى الصغير، وحتى الزوجة عظيم لأنها عون على أمور الدنيا والآخرة، وأنا حقيق أن أوثرها ولا أضيع حقها.

ثم غدا نحو القرد في نفسه ما يريد به وهو هاجس يقول: إن إهلاكي أخاً وفياً وصولاً بلا سبب لمن الأمور التي يُخاف عواقبها. ولما عاد إلى الساحل ورآه القرد حيّاه وقال له: ما حبسك يا أخي عني هذه المدة؟

قال الغيلم: إن مما بطّأني عنك مع شوقي إليك الحياء منك والاحتشام لقلة مكافأتي إياك لحسن بلائك عندي ومعروفك إليّ. فإني وإن كنت قد عرفت أنك لا تلتمس مني جزاء لمعروفك فإني مع ذلك قد أرى حقا عليّ التماس مكافأتك. فأما أنت فإن خلقك خلق الكرام الذين ينيلون الخير من لم ينلهم إياه فيما مضى ولا يرجونه فيما بقي، الذين لا يمنّون بمعروف أدوه ولا يستكثرون جزاءً جزوا به، الذين يسرعون إلى معونة المحتاج.

فقال القرد: لا تقولن لي هذا ولا تحتشمنّ مني. فإنت أنت الذي جمعت فيما بيني وبينك الأمرين جميعاً وابتدأت بما يجب لك به المكافأة. ألم أسقط إليك من قومي طريداً شريداً وحيداً فكنت لي سكناً وإلفاً أذهب الله بك عني الهمّ والحزن؟

قال الغيلم: إن أموراً ثلاثة يزداد بها لطف ما بين الإخوان واسترسال بعضهم إلى بعض، وهي أفضل ما يلتمسه المرء من أخلائه، وهي أن يغشوا منزله وينالوا من طعامه وشرابه ويعرفوا أهله وولده وجيرانه. ولم يجر بيني وبينك من ذلك شيء، وقد أحببت أن تتمّ بها إحسانك إليّ وتشرّف منزلي.

قال القرد: إنما ينبغي للصديق أن يلتمس من صديقه ذات نفسه ومودته. فأما الزيارة والنظر إلى الأهل والحشم والمؤاكلة فليس تحتها كبير أمر.

قال الغيلم: قد صدقت. لعمري ما يلتمس الصديق من صديقه إلا المودة. فأما من كان يلتمس منافع الدنيا فهو حقيق أن ينقطع ما بينه وبين إخوانه. وقد كان يقال: لا تكثّرنّ الرجل على إخوانه حمل المؤونات حتى يؤذيهم ويبرمهم. فإنّ عجل البقرة إذا كثر مصه ضرعها وإفراطه أوشكت أن تصرفه وتنفيه. ولم أذكر ما ذكرت إلا لكوني أعرف منك الكرم والسعة في الخلق. وبهذا قد أحببت أن تزورني في منزلي. فإني في جزيرة كثيرة الشجر طيبة الفواكه، فأسعفني بطلبتي واركب ظهري لتنطلق إلى منزلي.

فرغت القرد الذهاب معه لما ذكره من الفواكه، وتابع الغيلم على ما سأل وركب ظهره وسبح به الغيلم، حتى إذا لجّ به عرض في نفسه قبح ما يريد به وفجوره وغدره، ووقف مفكّراً يقول في نفسه: إن الأمر الذي هممت به كفر وغدر، وما الإناث أهل أن يرتكب لهن الغدر واللؤم، فإنهن لا يوثق بهن ولا يسترسل إليهن.

وقد قيل: إن الذهب يعرف بالنار، وأمانة الرجل تعرف بالأخذ والإعطاء، وقوة الدواب الحمل، والنساء يعرفن بكيدهن وكثرة حيلهن.

قال القرد: ما لك لا تسير؟

قال الغيلم: أفكّر في زوجتي وقد بلغني أنها مريضة. وذلك يمنعني من كثير مما أريد أن أبلغه من كرامتك وملاطفتك.

قال القرد: إن الذي أعرف من حرصك على كرامتي يكفيك مؤونة التكلف.

قال الغيلم: أجل، ومضى بالقرد ساعة، ثم توقف به ثانية.

فلما رأى القرد احتباس الغيلم، وأنه لا يسبح ارتاب وقال في نفسه: إن لوقوف الغيلم وانتظاره سببا، فما يؤمنّني أن يكون قلبه قد تقلب وتغير لي فازداد به سوءاً. فقد علمت أنه لا شيء أحدّ من القلب ولا أسرع تغيراً وتقلباً منه. لا يغفلنّ العاقل عن التماس ما في نفس أهله وولده وإخوانه وصديقه عند كل أمر، وفي كل لحظة وكلمة وعند القيام والقعود. وعلى كل حال فإن ذلك كله شاهد على ما في القلوب. ثم قال للغيلم: ما يحبسك وما لي أراك كأنك مهتم؟

قال الغيلم: تهمني أنك تأتي منزلي فلا توافق كل أمري كما تشتهي لأن زوجتي شديدة الوجع.

قال القرد: لا تهتمّنّ فإن الهم لا يغني شيئاً، والتمس لزوجتك الأدوية والأطباء. فإنه كان يقال: ليبذل ذو المال ماله في ثلاثة مواضع: في الصدقة إن أراد أجر الآخرة، وفي مصانعة السلطان إن أراد المنزلة الدنيا، وفي الأهل والأزواج لا سيما إذا كنّ صالحات.

قال الغيلم: صدقت، وقد زعم الأطباء أنه لا دواء لها إلا قلب قرد.

قال القرد في نفسه: واسوأتاه لقد أورطني الحرص على كبر السن شرّ مورط! لقد صدق الذي قال: القانع الراضي يبيت آمناً مطمئناً مستريحاً مريحاً، وذو الحرص والشره يعيش ما عاش في تعب ونصب وخوف. وإني لقد احتجت إلى عقلي في التماس المخرج مما وقعت فيه، ثم قال للغيلم: ما منعك يا خليلي إذ علمت هذا أن تكون أخبرتني به عند نزولي حتى كنت حملت قلبي معي؟

قال: وأين قلبك؟

قال: خلّفته في الشجرة مكاني.

قال: وما حملك على ذلك؟

قال: سنة فينا معاشر القرود إذا خرجنا لزيارة أصدقاء خلّفنا قلوبنا لطرح الظنة عنا. فإن شئت فارجع بي إلى الشجرة لآتيك به.

ففرح الغيلم بطيب نفس القرد له عن قلبه، وانقلب به راجعاً محثّاً، حتى إذا بلغ الساحل وثب القرد إلى الأرض فسعى إلى الشجرة فرقيها. ولبث الغيلم ساعة فلما بطأ عليه ناداه: أعجل يا أخي احمل قلبك وانزل فقد حبستني.
قال القرد: أراك تظن أني كالحمار الذي زعم ابن آوى أنه لم يكن له قلب ولا أذنان؟ قال الغيلم: وكيف كان ذلك؟

ابن آوى والأسد

قال القرد: زعموا أن أسدا كان في اجمة، وكان معه ابن آوى يأكل من فضول صيده. فأصاب الأسد جرب شديد حتى ضعف وجهد، فلم يستطع الصيد.

فقال ابن آوى للأسد: ما شأنك يا سيد السباع قد تغيرت حالتك. قال: لهذا الجرب الذي تراه ليس له دواء إلا أن أطلب أذني حمار وقلبه. قال ابن آوى: قد عرفت مكان حمار يجيء به قصّار إلى مرج قريب منا يحمل عليه ثيابه التي يغسلها، فإذا وضع عنه الثياب خلّاه في المرج. فأنا أرجو أن آتيك به ثم أنت أعلم بقلبه وأذنيه. قال الأسد: فلا تؤخّرنّ ذلك.

فذهب ابن آوى حتى أتى الحمار، فقال له: ما هذا الهزال الذي أراه بك والدبر الذي بظهرك؟ قال الحمار: أنا لهذا القصّار الخبيث، فهو يسيء علفي ويدأب عملي. قال ابن آوى: وكيف ترضى بهذا؟ قال: فما أصنع؟ وكيف أفلت من أيدي الناس؟ قال ابن آوى: أنا أدلك على مكان معتزل خصب المرعى لم يطأه الناس قط. وثم أسد وهو مشتاق إليك وبقربه عانة من الحمر ترعى أمينة مطمئنة. فطرب الحمار وقال: ألا تنطلق بنا، فإني لو لم أرغب إلا في إخائك لكان ذلك حاملي على الذهاب معك.

فتوجّها جميعاً قبل الأسد وتقدم ابن آوى فأخبره. فوثب الأسد على الحمار فلم يستطع صرعه لضعفه وانفلت الحمار. فقال ابن آوى للأسد: ما هذا الذي صنعت؟ إن كنت خلّيت الحمار عمداً فلم عنّيتني في طلبه؟ وإن كنت لا تقدر عليه فقد هلكنا، إن كان سيدنا لا يقوى على حمار. فعرف الأسد أنه إن قال: "تركته عمداً" سفهه، وإن قال: "لم أقدر عليه" ضعّفه، فقال: إن أنت استطعت أن تردّ الحمار إليّ بما سألت عنه. فقال ابن آوى: لقد جرّب الحمار مني ما جرب وإني لذلك لعائد إليه محتال له بما استطعت، وعليك إن رجع أن تصبر عليه ساعة حتى يستأنس بك، وهذا أمر لا يفوتك والغرض لا يصاب كل وقت. فعاد ابن آوى إلى الحمار فلما رآه قال له: ما الذي أردت بي؟ قال: أردت بك الخير، ولكن الأسد أراد أن يتلقاك مرحّباً بك ولو ثبتّ لآنسك ومضى بك إلى أصحابه. فلما سمع الحمار ذلك ولم يكن رأى أسداً قط صدّق ما قاله ابن آوى، فمضى ووثب عليه الأسد فافترسه.

فلما فرغ الأسد من قتل الحمار قال لابن آوى: إنه وُصف لي هذا الدواء بأن أغتسل ثم آكل الأذنين والقلب، وأجعل ما سوى ذلك قرباناً. فاحتفظ بالحمار حتى أغتسل ثم أرجع. فلما ولّى الأسد عمد ابن آوى إلى أذني الحمال وقلبه فأكلهما رجاء أن ينفر الأسد عنه فلا يأكل بقية الحمار فينفرد هو به. فلما رجع الأسد قال: أين قلب الحمار وأذنان؟ قال ابن آوى: وما شعرت أن الحمار لم يكن له قلب ولا أذنان وأنهما لو كانا له لم يرجع إليك ثانية بعد إفلاته منك؟ فصدقه الأسد.

وإنما ضربت لك هذا المثل لتعلم أني لست كالحمار الذي زعم ابن آوى أنه لم يكن له قلب ولا أذنان، وأنك احتلت بي وخدعتني فجزيتك مثل خديعتك واستدركت ما كنت ضيّعت من نفسي.
قال الغيلم: أنت الصادق البارّ وقد علمت أن ذا العقل يقلّ الكلام ويبالغ في العمل ويعترف بالزلة ويتبين الأمور قبل الإقدام عليها، ويستقيل عثرة عمله بفعله، كالرجل الذي يعثر على الأرض وعلى الأرض يعتمد وينهض.

فهذا مثل من طلب أمراً، حتى إذا استمكن منه أضاعه.







شـريـف
مؤسس المنتدى
مؤسس المنتدى

ذكر
مصر

عدد المشاركات :: 7336

تاريخ التسجيل :: 07/05/2010

قصة رد: كتاب كليلة ودمنة

مُساهمة من طرف شـريـف في 6/7/2011, 6:06 pm

ابن آوى والأسد

قال القرد: زعموا أن أسدا كان في اجمة، وكان معه ابن آوى يأكل من فضول صيده. فأصاب الأسد جرب شديد حتى ضعف وجهد، فلم يستطع الصيد.

فقال ابن آوى للأسد: ما شأنك يا سيد السباع قد تغيرت حالتك. قال: لهذا الجرب الذي تراه ليس له دواء إلا أن أطلب أذني حمار وقلبه. قال ابن آوى: قد عرفت مكان حمار يجيء به قصّار إلى مرج قريب منا يحمل عليه ثيابه التي يغسلها، فإذا وضع عنه الثياب خلّاه في المرج. فأنا أرجو أن آتيك به ثم أنت أعلم بقلبه وأذنيه. قال الأسد: فلا تؤخّرنّ ذلك.

فذهب ابن آوى حتى أتى الحمار، فقال له: ما هذا الهزال الذي أراه بك والدبر الذي بظهرك؟ قال الحمار: أنا لهذا القصّار الخبيث، فهو يسيء علفي ويدأب عملي. قال ابن آوى: وكيف ترضى بهذا؟ قال: فما أصنع؟ وكيف أفلت من أيدي الناس؟ قال ابن آوى: أنا أدلك على مكان معتزل خصب المرعى لم يطأه الناس قط. وثم أسد وهو مشتاق إليك وبقربه عانة من الحمر ترعى أمينة مطمئنة. فطرب الحمار وقال: ألا تنطلق بنا، فإني لو لم أرغب إلا في إخائك لكان ذلك حاملي على الذهاب معك.

فتوجّها جميعاً قبل الأسد وتقدم ابن آوى فأخبره. فوثب الأسد على الحمار فلم يستطع صرعه لضعفه وانفلت الحمار. فقال ابن آوى للأسد: ما هذا الذي صنعت؟ إن كنت خلّيت الحمار عمداً فلم عنّيتني في طلبه؟ وإن كنت لا تقدر عليه فقد هلكنا، إن كان سيدنا لا يقوى على حمار. فعرف الأسد أنه إن قال: "تركته عمداً" سفهه، وإن قال: "لم أقدر عليه" ضعّفه، فقال: إن أنت استطعت أن تردّ الحمار إليّ بما سألت عنه. فقال ابن آوى: لقد جرّب الحمار مني ما جرب وإني لذلك لعائد إليه محتال له بما استطعت، وعليك إن رجع أن تصبر عليه ساعة حتى يستأنس بك، وهذا أمر لا يفوتك والغرض لا يصاب كل وقت. فعاد ابن آوى إلى الحمار فلما رآه قال له: ما الذي أردت بي؟ قال: أردت بك الخير، ولكن الأسد أراد أن يتلقاك مرحّباً بك ولو ثبتّ لآنسك ومضى بك إلى أصحابه. فلما سمع الحمار ذلك ولم يكن رأى أسداً قط صدّق ما قاله ابن آوى، فمضى ووثب عليه الأسد فافترسه.

فلما فرغ الأسد من قتل الحمار قال لابن آوى: إنه وُصف لي هذا الدواء بأن أغتسل ثم آكل الأذنين والقلب، وأجعل ما سوى ذلك قرباناً. فاحتفظ بالحمار حتى أغتسل ثم أرجع. فلما ولّى الأسد عمد ابن آوى إلى أذني الحمال وقلبه فأكلهما رجاء أن ينفر الأسد عنه فلا يأكل بقية الحمار فينفرد هو به. فلما رجع الأسد قال: أين قلب الحمار وأذنان؟ قال ابن آوى: وما شعرت أن الحمار لم يكن له قلب ولا أذنان وأنهما لو كانا له لم يرجع إليك ثانية بعد إفلاته منك؟ فصدقه الأسد.

وإنما ضربت لك هذا المثل لتعلم أني لست كالحمار الذي زعم ابن آوى أنه لم يكن له قلب ولا أذنان، وأنك احتلت بي وخدعتني فجزيتك مثل خديعتك واستدركت ما كنت ضيّعت من نفسي.
قال الغيلم: أنت الصادق البارّ وقد علمت أن ذا العقل يقلّ الكلام ويبالغ في العمل ويعترف بالزلة ويتبين الأمور قبل الإقدام عليها، ويستقيل عثرة عمله بفعله، كالرجل الذي يعثر على الأرض وعلى الأرض يعتمد وينهض.

فهذا مثل من طلب أمراً، حتى إذا استمكن منه أضاعه.

باب الناسك وابن عرس

قال الملك للفيلسوف: قد سمعت هذا المثل فاضرب لي إن رأيت مثل العجول في أمره العامل بغير تثبيت ولا روية.

قال بيدبا الفيلسوف: من لم يكن في أمره متثبتاً لم يبرح نادماً. ومن امثال ذلك مثل الناسك وابن عرس.

قال الملك: وكيف كان ذلك؟

قال الفيلسوف: زعموا أنه كان بأرض جرجان ناسك، وكانت له امرأة لبثت عنده زماناً لا تحمل، ثم حملت فاستبشر الناسك بذلك وقال لها: أبشري فإني أرجو أن تلدي غلاماً ويكون لنا فيه متعة وقرة عين، وأنا متقدم في التماس الظؤورة ومتخيّرٌ من الأسماء اسماً حسنا.

قالت المرأة: أيها الرجل من علّمك أن تتكلم فيما لا تدري؟ ومن يعلم أيكون المولود ذكراً أم لا؟ اسكت عن هذا وارض بما الله قاسم لك، فإن الرجل العاقل لا يتكلم فيما لا يدري. فمن تكلم بما لا يدري وقضى على الأمر في نفسه بالتقدير أصابه ما أصاب الناسك المهريق على رأسه السمن والعسل.

قال الناسك: وكيف كان ذلك؟

الناسك وجرة السمن

قالت المرأة: زعموا أن ناسكاً كان يجري عليه من بين رجل من التجار رزق من السمن والعسل والسويق. وكان يُبقي من ذلك السمن والعسل فيجعلهما في كوز له قد علّقه حتى امتلأ الكوز من ذلك. ووافق غلاء في السمن والعسل فقال: "أنا بائع ما في هذه الجرة بدينار أقل ما أنا بائعه فأشتري بالدينار عشرة أعنز فيحملن ويلدن لخمسة أشهر". فحزر على هذا الحساب لخمس سنين فوجد ذلك أكثر من أربعمائة عنز في حسابه، ثم قال: "فاشتري مئة من البقر بكل أربعة أعنز ثوراً وبقرة فأصيب بذراً فأزرع على الثيران وأنتفع ببطون الإناث وألبانها. فلا يأتي علي خمس سنين، إلا وقد أصبت منها ومن الزرع مالاً كثيراً، فأبتني بيتاً فاخراً وأشتري عبيداً ورياشاً ومتاعاً. فإذا فرغت من ذلك تزوجت من امرأة ذات حسب ونسب. ثم تلد لي ابناً سوياً مباركاً مصلحاً فأسميه بما فيه وأؤدبه أدباً حسناً، وأشد عليه في الأدب. فإن رأيته عقوقاً مهتبلاً ضربت رأسه بهذا العصاة هكذا". ورفع العصا يشير بها فأصابت الكوز فانكسر وانصبّ السمن والعسل على رأسه، وذهب تدبيره وكل أمانيه باطلاً.

وإنما ضربت لك هذا المثل لتنتهي عن التكلم فيما لا تدري، وما لا يوافق القدر، فاتّعظ بما اتعظ الناسك.

ثم إن المرأة ولدت غلاماً سوياً فسرّ به أبوه، حتى إذا كان بعد أيام قالت المرأة لزوجها: اقعد عند الصبي حتى أغتسل وأرجع إليك. فانطلقت المرأة ولم يقعد الرجل إلا قليلاً حتى جاء رسول السلطان فذهب به ولم ابنه أحداً، إلا أنه قد كان له ابن عرس داجن عنده يقوم عليه قيام الرجل على ولده. فتركه الرجل عنده وذهب إلى السلطان. وكان في بيته جحر أسود فخرج الأسود يريد الغلام فوثب عليه ابن عرس فقطعه. وأقبل الناسك عند انصرافه حتى أتى بيته، فدخله فتلقاه ابن عرس كالمبشّر له بما صنع. فلما نظر إليه الناسك متلطّخاً بالدم سلب عقله ولم يلبث ولم يتبين، وضرب ابن عرس ضربة على رأسه بعصاه فوقع منها ميتاً. ودخل الناسك بيته فرأى الغلام والأسود مقطعاً فعرف الأمر وأقبل على رأسه نتفاً وعلى صدره ضرباً وجعل يقول: ليت هذا الغلام لم يولد ولم أنل هذا الغدر والكفر. فدخلت المرأة وهو يبكي فقالت له: ما يبكيك؟ وما شأن هذا الأسود وابن عرس مقتولين؟ فأخبرها خبرها وقال: هذه ثمرة العجلة.

فهذا مثل من عمل عملاً بغير تثبّت ولا روية في أمره.







شـريـف
مؤسس المنتدى
مؤسس المنتدى

ذكر
مصر

عدد المشاركات :: 7336

تاريخ التسجيل :: 07/05/2010

قصة رد: كتاب كليلة ودمنة

مُساهمة من طرف شـريـف في 6/7/2011, 6:06 pm

باب إيلاذ وشادرم وإيراخت

قال الملك دبشليم لبيدبا الفيلسوف: قد فهمت ما ذكرت من أمر العجول غير المتأيد ولا المتثبت فأخبرني ما الذي إذا عمل به الملك كرم على رعيّته وثبّت ملكه، ألحلم أم المروءة أم الحميّة أم الجود؟

فقال الفيلسوف: إنّ أفضل ما يحفظ به الملك ملكه الحلم والعقل لأنهما رأس الأمور وملاكها مع مشاورة الملك. فإن الحلم أفضل ما يستعين به على أموره. ثم من صلاح المرء في معيشته المرأة الصالحة الفاضلة الرأي المؤاتية. فإن الرجل وإن كان شجاعاً رئيساً ثم لم يكن له من يشاوره حليماً عاقلاً وشاور غير لبيب، فإنه يبهظه الأمر اليسير حتى ترى فيه القبح والضعف لجاهلته وخطإ رأي أصحابه. فإن أصاب ظفراً أو لقي رشداً لقدر ساقه إليه صارت عاقبة أمره إلى ندامة. وإذا كان على خلاف ذلك من الفضل وآزره في التدبير وزير عاقل ثم أعانه القضاء أصاب الفلاح على من خاصمه والغلبة على من ناوأه والسرور لمن أحزنه، كما زعموا أنه جرى بين شادرم ملك الهند وإيراخت امراـه وإيلاذ صاحب سره ورأيه.

فقال الملك: وكيف كان ذلك؟

قال الفيلسوف: زعموا أن إيلاذ كان ناسكاً مجتهداص حسن الخلق ليّناً حليماً كاملاً. فبينما شادرم الملك ذات ليلة نائم في غرفة له إذ رأى ثمانية أحلام يستيقظ عند كل حلم منها. فلما أصبح دعا البراهمة، وهم النساك، فقص عليهم ما رأى وأمرهم أن يعبروها، فقالوا: قد رأيت أيها الملك أمراً منكراً معجباً لم نسمع بمثله فيما مضى. وإن أحببت أن تنطلق فنفكّر فيه ستة أيام ونأتيك في اليوم السابع فنخبرك به، ولعلنا نستطيع أن ندفع ما تتخوف منه.

قال الملك: فاعملوا برأيكم فيما تعلمون أنه يوافقني.

قالوا: نعم وخرجوا من عنده واجتمعوا وقالوا: لم يطل العهد منذ قتل منا اثني عشر ألفاً، وقد استمكنا منه إذ أفضى إلينا بسرّه وعرّفنا فرقه من رؤياه، ولعلنا ننتقم منه إن نحن أغلظنا له القول فيحمله الخوف على أن يتابعنا ما نريد، فنأمره أن يدفع إلينا من يكرم عليه من أهله ووزرائه ونقول له: إنا قد نظرنا في كتبنا فلم نجد شيئاً يصرف ما رأيت إلا قتل من ينتمي لك. إن قال: ومن تريدون؟ قلنا: إيراخت امرأتك وابنها جوبر وابن أختك إيلاذ صاحب أمرك، فإنه ذو حيلة وعلم، وكال كاتبك ولسانك. ونريد سيفك والفيل الأبيض الذي تقاتل عليه، وكنان أبزون الفقيه. فتجعل دماءهم في مرجل نقعدك فيه، فإذا أردنا أن نخرجك منه اجتمعنا معشر البرهميين من الآفاق الأربعة فرقيناك ومسحنا عليك وغسّلناك بالماء والدهن الطيب، ثم صيّرناك إلى مجلسك فيُذهب الله عنك ما تحذر مما رأيت. فإن أنت صبرت على هذا وطبت به نفساً خلصت من البلاء ونجوت من الأمر العظيم الذي قد رهقك وأشرف عليك واستخلفت مكانهم مثلهم. وإن لم تفعل فإنا نتخوف أن تغصب فتهلك وينزع ملكك ويستأصل عقبك.

فلما أبرم البرهميون ذلك من رأيهم اتفقوا عليه أتوا الملك فقالوا: إنا قد نظرنا في كتبنا وتبحّرناها وفكرنا في رؤياك وأعملنا العقول فيها، فلسنا نقدر على أن نعلمك ما رأينا حتى تخلينا. ففعل ذلك فقصوا عليه الأمر على ما هيّأوا له.

فقال الملك: الموت خير مما أسمع. كيف أبدأ فأقتل هذه النفوس التي هي عندي عدل نفسي وأحتمل الإصر والوزر. ولا بد من الموت على كل حال، ولست الدهر على ملكي هذا، وإنه سواء عليّ الهلاك وفراق الأحبة.

فقال الرهميون: إنت أنت لم تغضب أخبرناك أن رأيك مخطئ وأنك لم تصب إن أهنت نفسك وأكرمت عليها غيرها. أولست تعلم أن كل شيء معها يسير وأنه لا يفيدها شيء، وإن عظم خطره أو صغر. فلعمري لئن فديتها بمن سمّيناهم لك إنه لأمثل وأخير، فتبقى في ملكك وسلطانك ويصلح لك أمرك، فانظر لها ودع ما سواها فإنه لا شيء يعدلها.

فلما رأى الملك أن البرهميين قد أغلظوا في القول واجترأوا عليه فيه قام فدخل قصره ووقع وجهه، وجعل يتقلب مهموماً محزوناً ويفكر في رأيه لا يدري ما يصنع: أيخاطر بنفسه وملكه أو ينحاز إلى ما سألوا من قتل أحبائه. فمكث بذلك أياماً وفشا الحديث في أرضه وقيل: لقد نزل بالملك أمر هو فيه في كرب.

فلما رأى إيلاذ الذي قد وقع فيه الملك من ذلك فكّر ونظر وكان فطناً عالماً مجرّباً داهياً فقال: ما ينبغي أن أستقبل الملك بشيء دون أن يدعوني ولكني أنطلق إلى إيراخت امرأة الملك فأسألها عن ذلك. فأتاها فقال: إني أعلم أن الملك لم يركب أمراً صغيراً ولا كبيراً مذ كنت معه إلى بمشورتي. فإني كنت صاحب سره ولم يكن يكتمني شيئاً طرأ عليه، وكان إذا حاربه امر مفظع عزى نفسه فيه واصطبر على ما نزل به وذكر لي ذلك فأسليه عنه بأرفق ما أقدر عليه. وإني أراه مستخلياً بالبراهمة منذ سبعة أيام وقد احتجب فيها عن الناس. وأنا خائف أن يكون قد أطلعهم على دخلة أمره ولست آمن عليه منهم. فاذهبي إليه وسليه عن حاله وما بلغه وما الذي ذكروا له، ثم أعلميني، فإني لا استطيع أن أدخل عليه. وأحسبهم قد زيّنوا له أمراً قبيحاً وحملوه على عضيهة وأغضبوه بشيء شبهوا له فيه. فإن من أخلاق الملك إذا اغتاظ أن لا يلتفت إلى أحد ولا يسأل عن شيء ولا ينظر فيه، وسواء عليه جسيم الأمور وحقيرها. ولست أشك أنهم لم ينصحوه لما في قلوبهم من الحقد عليه والبغض له، وأنهم إن قدروا عليه وعلى هلكته التمسوا إنزالها فيه وإدخالها عليه.

قالت إيراخت: إنه كان بيني وبين الملك كلام ولست أريد أن آتيه ما دام مذنباً لم يرع لي خاطراً.

قال إيلاذ: لا تحملن الحقد في مثل يومك هذا. فلن يقدر أحد على أن يدخل عليه غيرك، وقد كنت سمعته يقول غير مرة: "إني إذا حزنت واهتتمت فأتني إيراخت أذهبت عني ذلك". فانطلقي إليه وكلميه بما تظنين أنه يطيب نفساً به وتجلّي عنه ما به.

فلما سمعت ذلك إيراخت نهضت إلى الملك ودخلت عليه، وجلست عند رأسه وقالت: ما أمرك أيها الملك السعيد الرشيد المحمود؟ وما الذي قال لك البرهميون؟ فإني أراك مهموماً حزيناً. إن كان الذي ينبغي أن تحتاله أمراً فيه جلاء همك وسرورك ونفعك فيه استئصال أنفسنا فافعل ذلك، وإن يكن بك غضب علينا نرضك ونأت ما يسرّك.

فقال الملك: لا تسأليني أيتها المرأة عن شيء فتزيديني خيالاً إلى ما بي. فإنه لا ينبغي أن تعلمي ذلك الأمر العظيم خطره، الشديد هوله، ولا تجديك معرفته نفعاً.

فقالت إيراخت: أو قد صار أمري عندك إلى أن تجيبني بمثل ما قد سمعت؟ أو ما تعلم بأن أفضل الرأي للملك إذا وقع بالأمر الذي يدهمه أن يشاور أهل نصيحته ومودّته ومن يهمه وما أحزنه؟ فإن المذنب لا يقنط من الرحمة ولكنه يتوب مما يخاف. فلا يدخلنك من الهم والحزن ما أرى بك. فإنهما لا يردان شيئاً بل يشتمان العدو ويسوءان الصديق. وأهل العلم والتجارب ينظرون في ذلك ويصبّرون أنفسهم على ما فاتهم من عرض الأطماع ونزل بهم من حوادث الأزمان.

فقال الملك: أيتها المرأة لا تسأليني عن شيء فإن في الذي تفحصين عنه دماري وهلاكك وهلاك ولدك وكثير من أهل ودي. فإن البرهميين زعموا أنه لا بد من قتلك وقتله ولا خير في العيش بعدكم ولا لذة لي عند فراقكم، وذلك أفظع الأمور وأجلها خطباً في نفسي.

فلما سمعت ذلك إيراخت جزعت ومنعها عقلها أن تظهر للملك جزعها، فقالت: لا يحزنك الله أيها الملك ولا يسؤك. أنفسها لك الفداء والوفاء. فإن ذلك يسير في بقائك وصلاحك. وقد جعل الله لك من الجواري ما فيه الخلف والعوض. ولكني أطلب إليك بعد موتي ألا تثق بالبرهميين ولا تستشيرهم ولا تقتل أحداً حتى تشاور فيه أهل نصيحتك والثقة لك وتعرف ما تقدم عليه. فإن القتل عظيم الخطب شديد الوزر، ولست تقدر على رد ما أهلكت. وقد قيل: "إن وجدت جوهراً لا تظن فيه خيراً وأردت أن تلقيه فلا تفعل ذلك حتى تريه من يبصره"، ولا تقرّ عين عدوك من البرهميين وغيرهم. واعلم أنهم لم ينصحوا لك أبداً وإنما قتلت منهذ منذ قريب اثني عشر ألفاً، أفتظن أنهم نسوا ذلك؟ ولعمري ما كنت جديراً أن تحدثهم برؤياك ولا تطلعهم على سرك، فإنهم يريدون بما عبّروا من رؤياك هلاكك وبوار أحبابك واستئصال وزرائك أهل الحلم والعلم والحكمة ومراكبك التي تقاتل عليها. ولكن انطلق إلى كنان أبزون فاذكر له أمرك وسله عما بدا لك، فإنه لبيب أمين وليس عند أحد شيء إلا عنده أفضل منه، وإن كان من البراهمة فإنه ناسك فقيه. فإن أشار عليك بمثل رأيهم فعلت، وإن خالف رأيه قولهم نظرت ولم تعجّل في أمرك.

فلما سمع الملك ذلك منها أعجبه فأمر بإسراج فرسه ثم ركب وانطلق إلى كنان أبزون حثيثاً. فلما انتهى إليه نزل عن فرسه ثم سجد له وحياه وطأطأ رأسه. فقال كنان أبزون: ما جاء بك أيها الملك؟ ومالي أراك متغير اللون ممتلئاً حزناً ولا أرى عليك تاجك ولا إكليل الملك؟

فقال له الملك: كنت ذات ليلة نائماً على ظهر إيواني فسمعت من الأرض ثمانية أصوات أستيقظ مع كل صوت منها ثم أرقد. فرأيت ثمانية أحلام فاقتصصتها على البرهميين. فأنا أخاف أن يصيبني أمر عظيم، إما أن أقتل في حرب وإما أن أغصب في ملكي فأغلب عليه.

ثم قصّ الملك عليه الرؤيا فقال له البرهمي: لا يحزنك هذا الأمر ولا يوجلنّك، فإنك لا تموت الآن ولن تسلب ملكك ولن يصيبك شيء من الآثام والشرور التي تحذر. فأما الأحلام الثمانية التي رأيت فإني منبئك بتأويلها. تدل السمكتان الحمراوان اللتان قامتا على ذنبيهما أنه يأتيك من قبل هميون رسول يهديك من قبله هدية ثمنها أربعة آلاف رطل من ذهب. وأما البطتان اللتان رأيت أنهما طارتا من وراء ظهرك فوقعتا بين يديك فإنه يأتيك من عند ملك بلخ من يقوم بين يديك بفرسين ليس في الأرض مثلهما. وأما الحية التي رأيتها دبّت على رجلك اليسرى فإنه يأتيك من قبل ملك صنجين من يقوم بين يديك بسيف خالص الحديدة لا يوجد مثله. وأما الدم الذي رأيت أنه يخضب جسمك فإنه يأتيك من قبل ملك كاسرون من يقوم بين يديك بلباس معجب يسمى حلة أرجوان يضيء في الظلمة. واما ما رأيت من غسلك جسمك بالماء فإنه يأتيك من قبل ملك راز من يقوم بين يديك بثياب من لباس الملوك. وأما ما رأيت من أنك على جبل أبيض فإنه يأتيك من خيار الملوك من يقوم بين يديك بإكليل من ذهب مكلل بالدر والياقوت. وأما الطير الأبيض الذي ضرب رأسك بمنقاره فلست بمفسّره لك اليوم وليس بضارّك فلا توجلنّ منه، ولكن فيه بعض السخط والإعراض عمن تحب. فأما البرد والرسل فإنهم يأتونك بعد سبعة أيام جميعاً فيقومون بين يديك.

فلما سمع الملك ذلك سجد بين يدي كنان أبزون وانصرف وقال: إني لناظر فيما قال. فلما كان اليوم السابع لبس الملك ثيابه وأخذ زينته وقعد في مجلسه وأذن للعظماء والأشراف، فجاءته تلك الهدايا التي أخبره عنها كنان أبزون فوضعت بين يديه. فلما رأى الملك أولئك البرد والرسل وتلك الهدايا اشتد فرحه لذلك وقال في نفسه: "لم أوفّق حين قصصت رؤياي على البرهميين فأمروني بما أمروني به. ولولا أن الله حماني ورحمني وتداركني برأي إيراخت كنت هلكت وزالت دنياي. فلذلك ينبغي لكل أحد أن يسمع من الأخلاء والأحباء وذوي القرابات رأيهم ويقبل مشورتهم. فإن إيراخت أشارت علي برأي فقبلته واغتبطت به فثبت لي ملكي بأي الأخلاء والنصحاء واستبان لي أيضاً علم كنان أبزون وصدق قوله". ثم دعا الملك جوبر وإيلاذ وكال الكاتب فقال لهم إنه لا ينبغي لنا أن ندخل هذه الهدايا خزائننا ولكني سأقسمها بينك أنت الذي وطّنتم أنفسكم على الموت في سببي وبين إيراخت التي أشارت عليّ بالرأي الذي انتفعت به في بقاء ملكي والذي ترون من الفرح والسرور.

فقال إيلاذ: إنه لا ينبغي لنا معاشر العبيد أن نعجب لما كان منا في ذلك. فإن العبد ينبغي له أن يسلم نفسه في الموت مكان سيده. فأما هذه العطية فلا ينبغي لنا معشر العبيد أن ندنو منها. فأما جوير ابنك فهو لنا أهل فليأخذ ما أعطيته.

فقال الملك: إنه قد شاع لنا في هذا ثناء وخير كبير فلا تحتشمنّ يا إيلاذ وخذ نصيبك وقرّ به عيناً.

فقال إيلاذ: ليكن من ذلك ما أحب الملك أن يبدأ بأخذ ما يريد فليفعل. فأخذ الملك الفيل الأبيض وأعطى جوبر أحد الفرسين وأعطى إيلاذ السيف الخالص الحديدة وأعطى كال الكاتب الفرس الآخر وبعث إلى كنان أبوزون باللباس الذي تلبسه الملوك. وأما الإكليل وسائر اللباس وما كان يصلح للنساء فقال لإيلاذ: خذ الإكليل والثياب احملها معي واتبعني إلى النساء. فدعا الملك زوجتيه إيراخت وكورقناه فجلستا بين يديه، وقال الملك: يا إيلاذ ضع الإكليل والكسوة بين يدي إيراخت فلتأخذ أيها شاءت. فلما نزرت إيراخت إلى الإكليل وعجبه نظرت إلى إيلاذ بمؤخر عينها ليريها أيهما أفضل فأراها إيلاذ الثياب وأشار إليها بأخذها، فحانت من الملك التفاتة فرأى إيلاذ. فلما رأت إيراخت أن الملك قد أبصر إيماءه إليها بعينه تركت الذي أراها إيلاذ وأخذت الإكليل. فعاش إيلاذ بد ذلك أربعين سنة كلما دخل على الملك كسر عينيه لئلا يظن الملك أنه أراها شيئاً. ولولا عقل إيراخت وعقل إيلاذ لم ينج واحد منهما من الموت.

وكان الملك يقضي ليلة عند إيراخت وليلة عند كورقناه، فأتى الملك إيراخت في ليلة وقد صنعت له أرزاً فدخلت على الملك وفي يدها صحفة من ذهب والإكليل على رأسها فقامت على رأس الملك بالصحفة وهو يطعم منها. فلما رأت كورقناه الإكليل على رأس إيراخت غارت على إيراخت فلبست تلك الثياب فظهر حسنها مثل الشمس ومرّت بين يدي الملك فاشتاق إلى كورقناه وقال لإيراخت: لقد كنت جاهلة حين أخذت الإكليل وتركت الكسوة التي ليس في خزائننا مثلها.

فلما سمعت إيراخت ذلك من قوله ومدحه كورقناه وتسفيه رأيها ألبست الغيظ والغضب فضربت الصحفة التي كانت في يدها رأس الملك فسال الأرز على رأسه وعلى جسمه. وكان ذلك تصديق الحلم الذي كان كنان أبوزن شرح للملك بطرف منه ولم يكن بيّنه له. فدعا الملك إيلاذ فقال: يا إيلاذ ألا ترى إلى ملك العالم كيف حقرته هذه المرأة وعملت به ما علمت، فانطلق بها واضرب عنقها ولا ترحمها.

فخرج إيلاذ بإيراخت من عند الملك وقال في نفسه: ما أنا بقاتلها حتى يسكن غضب الملك، فإنها امرأة عاقلة سعيدة من الملكات ليس لها من بين النساء عِدل في الحلم والعقل وليس الملك بصابر عنها. وقد خلص بها إلى اليوم أناس كثير من الموت وعملت أعمالاً صالحة ورجاؤنا فيها اليوم عظيم، ولست آمن أن يقول: "ما استطعت أن تؤخر قتلها؟". فلست قاتلها حتى أنظر ما رأي الملك فيها، فإن ندم على قتلها وحزن جئته بها حية، وكنت قد عملت ثلاثة أعمال عظام: نجيت إيراخت من القتل، وسليت حزن الملك، وافتخرت بذلك على الناس. وإن لم يذكر ها أمضيت أمره فيها.

فانطلق بها إيلاذ سراً إلى منزله فوكل بها رجلين من أمناء الملك الذي يلون نساءه وأمر أهله بحفظها وإكرامها حتى ينظر كيف يكون آخر أمرها. ثم خضّب إيلاذ سيفه بالدم ودخل على الملك كئيباً حزيناً، فقال للملك: قد أمضيت أمرك في إيراخت.

فلم يلبث الملك أن سكن غضبه فذكر جمال إيراخت ورأيها وعظم عنائها وجسيم منفعتها فاشتد حزنه وجعل يقوّي نفسه ويتجلد وهو على ذلك يستحيي أن يسأل إيلاذ: أأمضى أمره حقاً فيها أم لا. وجعل يرجو لها البقاء لعلمه بعقل إيلاذ أن لا يكون قتلها. ونظره إيلاذ بفضل علمه فقال: لا أحزن الله الملك ولا يهتمّنّ فإنه ليس في الغم والحزن منفعة، ولكنهما ينحلان الجسم ويفسدانه مع ما يدخل على أهل الملك أيضاَ من الحزن إذا حزن، وفرح أعداؤه وشمتوا به، وإنه إذا سمع بهم لم يعدم من صاحبه عقلاً ولا علماً. فاصبر أيها الملك ولا تحزن على ما لست بناظر إليه أبداً وإن أحبّ الملك حدّثته بحديث شبيه بأمره هذا.

قال الملك: حدثني به.







شـريـف
مؤسس المنتدى
مؤسس المنتدى

ذكر
مصر

عدد المشاركات :: 7336

تاريخ التسجيل :: 07/05/2010

قصة رد: كتاب كليلة ودمنة

مُساهمة من طرف شـريـف في 6/7/2011, 6:07 pm

باب السّنّور والجرذ

قال الملك: قد فهمت مثل من يعجّل بالأمر ولا يعمل بالتثبت، فاضرب إن رأيت مثل رجل كثر أعداؤه فأحدقوا به من كل جانب وأشفى على الهلكة فالتمس النجاة بموالاة بعض العدوّ ومصالحته فسلم مما تخوّف ووفى لمن صالحه منهم. فأخبرني عن موضع الصلح وكيف يُلتمس ذلك.

قال الفيلسوف: إن العداوة والولاء والمودة والبغض ليس كلها تثبت وتدوم. وكثير من المودة تتحول بغضاً، وكثير من البغض يتحول مودة. ولهذا حوادث وعلل وتجارب. وذو الرأي يجد لكل ما حدث من ذلك رأياً جديداً، فمن قبل العدو بالبأس وأما من قبل الصديق فبالاستئناس. فلا يمنعنّ ذا العقل عداوة كانت في نفسه لعدوه من مقاربته والتماس ما عنده إذا طمع فيه لدفع مخوف أو جرّ مرغوب. ولا يقصّر في الرأي في إحداث المواصلة والموادعة. ومن أبصر ذلك الرأي وأخذ فيه بالحزم ظفر بحاجته. ومن أمثال ذلك السنور والجرذ اللذان اصطلحا لما وقعا في ورطة شديدة فكان في ذلك صلاحهما جميعا ونجاتهما.

قال الملك: وكيف كان ذلك؟

قال بيدبا الفيلسوف: زعموا أنه كان بمكان كذا وكذا شجرة من الدوح في أصلها جحر لسنور يقال له روميّ وجحرٌ لجرذ يقال له فريدون. وكان الصيادون ربما التمسوا صيد الوحوش والطير قرب تلك الشجرة. وإن صياداً نصب حبائل له فوقع فيها الرومي وخرج الجرذ ليبتغي ما يأكل وهو مع ذلك حذر يتلفّت وينظر. فلما رأى السنور مقتنصاً في الحبال فرح. ثم التفت خلفه فأبصر ابن عرس قد تبعه وكمن له. ونظر فوقه فإذا بومة على شجرة ترصده. فخاف إن انصرف عاجلاً راجعاً أن يثب عليه ابن عرس، وإن ذهب يميناً أو شمالاً أن تختطفه البومة، وإن تقدم فالسنور أمامه. فقال: هذا بلاء قد كنفني وأشرار تظاهروا عليّ ولا مفزع إلا إلى عقلي وحيلتي فلا يكونن من شأني الدهش ولا يذهبنّ قلبي شعاعاً، فإن العاقل لا يتفرّق رأيه ولا يعزب عنه عقله على حال وإنما عقول ذوي الألباب كالبحر الذي لا يدرك غوره ولا يبلغ البلاء من ذي الرأي مجهود عقله فيهلكه ولا ينبغي له أن يبلغ رجاؤه مبلغاً يبطره ويسكره ويغشي أمره. ثم قال: لا حيلة أقرب من التماس صلح السنور، فإن السنور قد نزل به بلاء، ولعلي أقدر على خلاصه، ولعله إن سمع مني ما أكلمه من الكلام الصحيح الصادق الذي لا خداع فيه وفهمه عني وطمع في معونتي يكون لي وله في ذلك خلاص.

ثم دنا من السنور فقال: كيف حالك؟

قال السنور: كما تحب أن تراني في الضنك والضيق.

قال الجرذ في نفسه: والله لا أكتمنّه شيئاً مما في فكري. ثم قال له: لعمري إن كنت سابقاً أسرّ بما يسوؤك وأعد كل ضيق عليك سعة لي، ولكني اليوم قد شاركتك في البلاء. فلا أرجو لنفسي خلاصاً إلا بالأمر الذي أرجو لك به الخلاص، فذلك الذي عطفني عليك، وستعرف مقالتي أنه ليس فيها كذب ولا مخادعة. قد ترى مكان ابن عرس كامناً لي، ومكان البومة تريد اختطافي وكلاهما لي ولك عدوّ وهما يخافانك ويتّقيانك. فإن أنت جعلت لي إن أنا دنوت منك أن تؤمنني فأنجو بذلك منهما، فأنا قاطع حبائلك ومخلصك مما أنت فيه. فاطمئن إلى ما ذكرت لك وثق به مني فإنه ليس أحد أبعد إلى الخير من اثنين منزلتهما واحدة وصفتهما مختلفة، أحدهما ممن لا يثق به أحد والآخر ممن لا يثق بأحد. ولك الوفاء عندي بما جعلت لك من نفسي فاقبل مني واسترسل إليّ ولا تؤخر، فإن العاقل لا يؤخر عمله. ولتطب نفسك ببقائي كما طابت نفسي ببقائك فإن كل واحد منا ينجو بصاحبه كالسفينة والركاب في البحر. فالسفينة تخرج الركاب من البحر وبهم تخرج السفينة إلى البر.

فلما سمع السنور مقالت الجرذ عرف أنه صادق وسرّه ذلك وقال للجرذ: أرى قولك شبيهاً بالحق والصدق وأنا راغب في هذا الصلح الذي أرجو به لنفسي ولك الخلاص. ثم سأشكر لك ما بقيت وأجازيك به أحسن الجزاء.

قال الجرذ: فإذا دنوت منك فلير ابن عرس والبومة ما يعرفان به صلحنا فينصرفان آئسين وأقبل على قرض حبائلك.

فلما دنا الجرذ من السنور واستبطأه هذا في قرض رباطه قال: ما لك لا تجدّ في قطع رباطي؟ فإن كنت حين ظفرت بحاجتك عدلت عما كنت عليه وتوانيت في حاجتي فليس هذا للكريم بخليق أن يتوانى في حاجة صاحبه إذا استمكن من حاجة نفسه. وقد كان لك في عاجل مودتي من النفع والاستنقاذ من الهلكة ما قد رأيت، وأنت حقيق أن تكافئني ولا تذكر عداوة كانت بيني وبينك. والكريم حقيق أن تنسيه الخلة الواحدة من الإحسان الخلال الكثيرة من الإساءة. وأعجل العقوبة عقوبة الغدر واليمين الكاذبة. ومن إذا تضرّع إليه وسُئل العفو لم يعف ولم يغفر فقد غدر.

قال الجرذ: الصديق صديقان: طائع ومضطرّ وكلاهما يلتمس المنافع ويحترس من المضار. فأما الطائع منهما فاسترسل إليه واعمل له على كل حال. وأما المضطر فإن له حالات يسترسل إليه فيها وحالات يتقى فيها فلا يزال يرتهن منه بعض حاجته ببعض ما قد يتقي ويخاف. وليس عامة التواصل والتحابّ بين الخلق إلا لالتماس عاجل النفع أو موجوه. وأنا واف لك بما وعدتك ومحترس في ذلك من أن يصيبني مثل ما ألجأني إلى صلحك. فإنّ لكل عمل حيناً وما لم يكن في حينه فلا عاقبة له، وأنا قاطع حبائلك لحينها غير أني تارك عقدة أرتهنها منك فلا أقطعها إلا في الساعة التي أعلم أنك عني فيها مشغول.

ففعل كما قال وقرض حبائل السنور. وبينما هو كذلك إذ رأى بالصياد قد أقبل من بعيد، فقال الجرذ: الآن جاء موضع الجد في قطع حبائلك. فجهد الجرذ نفسه في القرض، فما كاد ينتهي من العمل حتى وثب السنور إلى الشجرة فصعدها، وانجحر الجرذ في غفلة. فلما وصل الصياد وجد حبائله مقطوعة فانصرف خائباً.

ثم خرج الجرذ من بعد ذلك من جحره فرأى السنور من بعيد فكره أن يدنو منه فناداه السنور: أيها الصديق ذا البلاء الحسن ما يمنعك من الدنو مني لأجزيك بأحسن ما أبليتني؟ هلمّ إلي ولا تقطع إخائي فإنه من اتخذ صديقاً وأضاع صداقته حرم ثمرة الإخاء وأئس من نفعه الإخوان. وإن لك عندي اليد التي لا تنسى. فأنت جدير أن تلتمس مكافأة مني ومن أصدقائي فلا تخافنّ مني شيئاً. واعلم أن ما قبلي لك مبذول.

ثم حلف واجتهد على أن يثبت عنده صدقه بما قال فأجابه الجرذ: إنه ربّ عداوة باطنة ظاهرها صداقة وهي أشد ضررا من العداوة الظاهرة. ومن لم يحترس منها وقع موقع الرجل الذي يركب ناب الفيل ويقتله. وإنما سمي الصديق صديقاً لما يُرجى من نفعه والعدو عدواً لما يخاف من ضره. فإن العاقل إذا راجا العدوّ أظهر له الصداقة، وإذا خاف ضرّ الصديق أظهر له العداوة. أو لا ترى تبايع البهائم إنما تتبع أمهاتها رجاءً لألبانها، فإذا انقطع ذلك انصرفت عنها. وكما أن السحاب يتهيّأ ساعة وينقطع أخرى ويقطر ساعة ويمسك أخرى، كذلك العاقل يتلوّن مع متلوّنات الأمور على اختلاف الحالات بين الإخوان والأصحاب، فينبسط مرة وينقبض أخرى، ويتجلّد مرة ويستنكر أخرى. وربما قطع الصديق عن صديق ما كان يصله به فلا يخاف شره لأن أصل أمره لم يكن عداوة. فأما من كان أصر أمره عداوة ثم أحدث صداقة لحاجة حملته على ذلك فإنه إذا ذهب الأمر الذي أحدث ذلك صار إلى أصل أمره كالماء الذي يسخّن بالنار، فإذا رفع عنها عاد بارداً. ولا عدوّ أضر لي من عداوة مثلك بعد أن كان بيننا من الود والصفاء ما قد كان، وبعد ائتلافنا واسترسال بعضنا إلى بعض. وقد اضطرّني وإياك حاجة أجدت كل واحد منا إلى صاحبه ما أجدتنا من المصالحة. فقد ذهب الامر الذي احتجت إليّ فيه واحتجت إليك فيه فأخاف مع ذهابه عود العداوة. ولا خير للضعيف في قرب العدو القوي ولا للذليل في قرب العدو العزيز، ولا أعلم لك حاجة إليّ إلا أن تريد أكلي ولا أرى لك الثقة بي. فإني قد علمت أن العدو الضعيف أقرب إلى أن يسلم من العدو القوي إذا احترس منه ولم يغترر به من القويّ إذا اغترّ بالعدو الضعيف واسترسل إليه. والعاقل يصانع عدوّه إذا اضطرّ إليه ويظهر له ودّه ويريد من نفسه الاسترسال إليه، إذا لم يجد من ذلك بداً، ويعجّل الانصراف عنه إذا وجد إلى ذلك سبيلاً. واعلم أن صريع الاسترسال لا يكاد تستقيل صرعته والعاقل يفي لمن صالح بما جعل له ولا يثق لنفسه بمثل ذلك من أحد ولا يؤثر على البعد من عدوه ما استطاع. فالبعد لك من الصياد والبعد لي منك أحزم الرأي. وأنا أودك من بعيد وعليك أن تجزيني بمثل ذلك إن رأيت ولا سبيل إلى اجتماعنا.

فهذا باب مبصر فرصته في مصالحة عدوّه والأخذ بالاحتراس منه.







شـريـف
مؤسس المنتدى
مؤسس المنتدى

ذكر
مصر

عدد المشاركات :: 7336

تاريخ التسجيل :: 07/05/2010

قصة رد: كتاب كليلة ودمنة

مُساهمة من طرف شـريـف في 6/7/2011, 6:08 pm

باب الملك والطير فنزة

قال الملك للفيلسوف: قد سمعت مثل الرجل يحيط به أعداؤه فيستظهر من بعضهم ويصالحه حتى يتخلص بذلك مما يخاف ويسلم. فاضرب لي إن رأيت مثل أهل التراث الذين ينبغي لبعضهم أن يتقي بعضاَ.

قال الفيلسوف: زعموا أن ملكاً من الملوك يقال له برهمون كان له طائر يقال له فنزة وكان ناطقاً كيّساً وكان معه فرخ له. فأمر الملك بفنزة وفرخه أن يجعلا بمكان عند امرأته سيدة نسائه وأوصاها بهما. واتفق أن امرأته ولدت غلاماً فألف الفرخ الغلام فجعلا يلعبان جميعاً ويطعمان جميعاً. وكان فنزة يذهب كل يوم إلى الجبل فيجيء بثمرين من الفاكهة فيطعم أحدهما فرخه والآخر ابن الملك. فأثّر ذلك في نموتهما وقوتهما حتى استبان ذلك للملك فزادت عنده كرامة فنزة، حتى إذا كان ذات يوم وفنزة غائب في اجتناء الثمر وثب فرخه من حجر الغلام طائراً فارتاع الغلام من ذلك وغضب فأخذ الفرخ وضرب به الأرض فقتله. فلما جاء فنزة ورأى فرخه مقتولاً حزن وصاح وقال: "ترحاً للملوك الذين لا عهد لهم ولا وفاء. وويل لمن ابتلي بصحبة الملوك الذين لا حميم لهم ولا رحيم ولا يحبون أحداً. ولا يكرم عليهم إلا من قضوا منه حاجتهم فلا ودّ ولا إخاء. ولا البلاء الحسن مجازًى عندهم ولا الذنب مغفور. وليس أمرهم إلا الفخر والرياء والسمعة. وكأنّ عظيماً من الذنوب يركبونه هو عندهم صغير وعليهم هين. وإني لأنتقمنّ اليوم من الكفور الذي لا رحمة له، الغادر بإلفه وتربه وصاحبه وملاعبه ومؤاكله". ثم وثب في وجه الغلام ففقأ عينه بمخلبه، ثم طار إلى مكان مشرف حزيناً.

فبلغ ذلك الملك فجزع أشد الجزع ثم طمع أن يحتال لفنزة فيظفر به. فركب إليه ووقف عليه وناداه باسمه وقال: أنت آمن فأقبل. فأبى ذلك فنزة وقال: أيها الملك، إن الغادر مأخوذ بغدره وإن أخطأه عاجل العقوبة في الدنيا لم يخطئه آجلها، حتى إن عقوبة ذلك لتدرك الأعقاب وأعقاب الأعقاب وإن ابنك غدر فعجّلت له العقوبة.

قال الملك: لقد فعلنا ذلك بك لعمري فانتقمت منا فليس لك قبلنا ولا لنا قبلك وتر فارجع إلينا آمناً.

قال فنزة: لست أرجع إليك، فإن ذوي الرأي قد نهوا عن قرب الموتور وقالوا: "لا تجد للموتور الحقود أماناً أوثق من الذعر والبعد والاحتراس منه". وكان يقال: "إن العاقل إنما يعدّ أبويه من الأصدقاء ويعدّ الأخوة رفقاء والأزواج ألاّفاً والبنين ذكراً والبنات خصمات والأقارب غرماء، ويعد نفسه فرداً وحيداً". فأنا الفريد الوحيد تزودت عندكم من الحزن عبئاً ثقيلاً لا يحمله معي أحد. فأنا ذاهب فعليك السلام.

قال الملك: إنك لو لم تكن اجترأت بما صنعنا بك أو لو كان صنيعك بنا غير ابتداء منا بالغدر كان الأمر كما ذكرت. فأما إذا كنا نحن بدأنا فما ذنبك وما الذي يمنعك من الثقة بنا؟ فارجع فإنك آمن.

قال فنزة: إن للأحقاد في القلوب مواقع موجعة منكية. والألسن تصدق عن القلوب، والقلب أعدل على القلب شهادة من اللسان. وقد علمت أن قلبي لا يشهد للسانك ولا قلبك للساني.
قال الملك: ألست تعلم أن الضغائن والأحقاد تكون بين كثير من الناس؟ فمن كان له عقل كان على إماتة الحقد فيه أحرص منه على تربيته.

قال فنزة: إن ذلك لكما ذكرت وليس ذو الرأي عن ذلك بحقيق أن يظن، بالمحقود الموتور، إنه ناس ما وتر به ومنصرف عنه، وذو الرأي يتخوف الحبائل والخداع ويعلم أن كثيراً من الأعداء لا يناصب بالشدة والمكابرة حتى يصاد بالرفق والملاينة كما يصاد الفيل الوحشي بالفيل الداريّ.

قال الملك: إن الكريم لا يترك إلفه ولا يقطع إخوانه ولا يضيع الحفّاظ وإن هو خاف على نفسه. إن هذا الخلق ليكون في أوضع الدوابّ منزلة. قد عرفنا أن ناساً يذبحون الكلاب فيأكلونها، فربما نظروا إلى كلب قد ألفهم فيمنعه ألاّفه إياهم أن يفتكوا به.

قال فنزة: إن الأحقاد مخوفة حيثما كانت وأخوفها وأشدها ما كان في أنفس الملوك. وإن الملوك يدينون بالانتقام ويرون الطلب بالوتر مكرمة وفخراً، ولا ينبغي للعاقل أن يغترّ بسكون الحقد. فإنما مثل الحقد في القلب ما لم يجد متحرّكاً مثل الجمر المكنون ما لم يجد حطباً. ولا يزال الحقد يتطلّع إلى العلل كما تبغي النار الحطب. فإذا وجد علله استعار النار فلا يطفئه ماء ولا كلام ولا لين ولا رفق ولا خضوع ولا تضرّع ولا شيء دون الأنفس، مع أنه ربّ واترٍ يطمع في مراجعة الموتور لما يرجو أن يقدر عليه من النفع له والدفع عنه، ولكني أضعف من أن أقٌدر على أن أزيل ما في نفسك. ولو كانت نفسك لي على ما تقول كان ذلك عليّ متغيّباً لأني لا أزال في خوف وسوء ظنّ ما اصطحبنا. فليس الرأي إلا الفراق وأنا أقرأ السلام عليك.

قال الملك: لقد علمت أنه ليس يستطيع أحد لأحد ضراً ولا نفعاً. فإنه لا شيء من الأشياء صغير ولا كبير يصيب أحداً إلا بقدر مقدور. وكما أن خلق ما يخلق ويولد وبقاء ما يبقى ليس إلى الخلائق منه شيء، كذلك فناء ما يفنى وهلاك ما يهلك. فليس لك فيما صنعت بابني ولا لابني في إهلاك فرخك ذنب إنما كان ذلك قدراً مقدوراً وكنا له عللاً. فلا تؤاخذنا بما أتاك به القدر.

قال فنزة: إن في القدر ما ذكرت ولكنّ ذلك لا يمنع الحازم في توقي المخوف والاحتراس من المحترس منه، ولكنه يجمع تصديقاً بالقدر وأخذاّ بالقوة والحزم. وأنا أعلم أنك تحدّثني بغير ما في نفسك. والأمر فيما بيني وبينك أن ابنك قتل فرخي ففقأت عين ابنك. فأنت الآن تريد لي القتل وتحاولني عن نفسي والنفس تأبى الموت. وكان يقال: الفاقة بلاء والحزن بلاء وفراق الأحبة بلاء والسقم بلاء والعدم بلاء، ورأس البلاء بلاء الموت، وليس أحد أعلم بما في نفس الموجع الحرّان ممن قد ذاق مثل ما به. وأنا بما في نفسك من أمري عالم للمثال الذي عندي من ذلك، فلا خير لي في صحبتك. فإنك لن تذكر صنيعي بابنك ولن أذكر صنيع ابنك بفرخي إلا أحدث ذلك لقلوبنا وغراً.

قال الملك: إنه لا خير لمن لا يستطيع الإعراض عما في نفسه فيتناساه ويميته حتى لا يذكر منه شيئاُ ولا يكون له في نفسه موقع.

قال فنزة: إن الرجل الذي في باطن قدمه قرحة إن هو حرص على خفة المشي فلا بد أن ينكأها. والرجل الرمد إن استقبل الريح فقد تعرّض لإنكاء عينه. وكذلك الموتور إذا دنا من عدوه فقد عرّض قرحته لإنكائها. ولا يستطيع صاحب الدنيا توقي المتالف وتقدير الأمور والاتكال على القوة والحيلة وقلة الاغترار بما لا يأمن منه. فإنه من اتكل على قوته حمله ذلك على أن يسلك الطريق المخوف فقد سعى في حتف نفسه. ومن لا يقدر على طعامه وشرابه فحمل على نفسه ما لا يحمل ولا يطيق فربما قتل نفسه. ومن لا يقدر لقمة فيعظمها أول ما يسيغ يغصّ بها فيموت. ومن اغترّ بكلام غيره وضيّع الحذر فهو أعدى العدو لنفسه. وليس على الرجل النظر في القدر الذي لا يدرى ما يأتيه منه وما يصرف عنه ولكن عليه العمل بالحزم والأخذ بالقوة في أمره ومحاسبة نفسه في ذلك. والعاقل لا يخيف أحداً ما استطاع ولا يقيم على الخوف وهو يجد مذهباً. وأنا كثير المذاهب أرجو ألاّ أتوجه وجهاً إلا وجدت فيه ما يغنيني. فإن خلالاً خمساً من تزوّدها بلّغنه كل وجه وقرّبن له البعيد وآنسن له الغربة وكسّبنه المعيشة والإخوان: كفّ الأذى وحسن الأدب ومجانبة الريبة وكرم الخلق والنبل في العمل. فإذا خاف العاقل على نفسه طابت نفسه عن الأهل والولد والوطن والمال. فإنه يرجو من ذلك كله خلفاً ولا يرجو من النفس خلفاً. وشرّ المال ما لا ينفق منه، وشر الأزواج التي لا تؤاتي البعل، وشر الولد العاصي، وشر الإخوان الخاذل، وشر الملوك الذي يخافه البريء، وشر البلاد بلاد ليس فيها أمن، وأنت لا أمن لي معك ولا طمأنينة لنفسي في جوارك. ثم ودّع الملك وطار.

فهذا مثل الترات وما يوجب على أهلها حذر بعضهم من بعض.

باب ابن الملك وابن الشريف وابن التاجر وابن الأكّار

قال الملك: قد فهمت ما ذكرت مما يحق على الملك في التوخي لمعروفه ليضعه عند أهل الشكر قربوا أو بعدوا، فأخبرني ما بال الجاهل والسفيه يصيبان الرفعة والشرف والخير العظيم، والرجل الحكيم العليم يلحقه البلاء والجهد والغرم الثقيل.

قال الفيلسوف: كما أن الرجل لا يبصر إلا بعينيه ولا يسمع إلا بأذنيه فكذلك العلم إنما تمامه بالحلم والعقل والتثبيت. غير أن القضاء والقدر يغلبان على ذلك، كما نرى أحياناً البصير يعثر والضرير يسلم. ومثل ذلك مثل ابن الملك الذي ربي على باب مدينة يقال لها مطون جالساً، وثم كتب عليه بعد أن تم أمره "إن العقل والجمال والاجتهاد والقوة وما سوى ذلك فإنما ملاكه القضاء والقدر".

قال الملك: وكيف كان ذلك؟

قال الفيلسوف: زعموا أن أربعة نفر اصطحبوا، أحدهم ابن الملك والثاني ابن الشريف والثالث ابن تارجر والرابع ابن أكّار، وكانوا جميعاً محتاجين وقد أصابهم ضرّ وجهد لا يملكون شيئاً إلا ما عليهم من ثيابهم. فبينما هم يمشون إذ قال ابن الملك: إن أمر الدنيا كله بالقضاء والقدر وانتظارهما أفضل الأمور. قال ابن التاجر: بل العقل أفضل من كل شيء. قال ابن الشريف: الجمال خيرٌ مما ذكرتم. قال ابن الأكّار: الاجتهاد أفضل من ذلك كله.

ثم مضوا نحو مدينة يقال لها مطون. فلما انتهوا إليها أقاموا في ناحية منها وقالوا لابن الأكال: انطلق فاكتسب لنا باجتهادك طعاماً ليومنا هذا. فانطلق فسأل: أي عمله إذا عمله الرجل من غدوّه إلى الليل به ما يشبع أربعة نفع؟ فقيل له: ليس شيء بأعز من الحطب. وكان على رأس فراسخ منها فتوجه إليه فحمل حملاً من الحطب الجزل فباعه بنصف درهم ثم اشترى به ما يصلح أصحابه، وكتب على باب المدينة: "إجتهاد يوم واحد يبلغ ثمنه نصف درهم"، وأتاهم بما اشترى فأصابوا منه وأكلوا.

فلما أصبحوا قالوا لابن الشريف: انطلق بجمالك فاكتسب بعض ما يوقتنا. فانطلق وتفكّر في نفسه وقال: لست أحسن من الأعمال شيئاً، وأستحي أن أرجع إلى أصحابي بغير طعام، فهمّ أن يفارقهم فأسند ظهره إلى شجرة في المدينة من الهم. فمر عليه مصوّر فأعجبه جماله فأرسل إليه خادمه فأتى به وأدخله داره ثم أمر فنظّف وظل معه يومه ذلك وأخذ رسمه ليعرض صورته على أهل المدينة. فلما كان عند المساء أجازه بخمس مائة دينار، فتوجه إلى أصحابه وكتب على باب المدينة: "جمال يوم واحد ثمنه خمسة مائة دينار".

فلما أصبحوا قالوا لابن التاجر: انطلق أنت فاكتسب لنا بعقلك وتجارتك ليومنا هذا شيئاً. فذهب فلم يبرح إلا قليلاً حتى أبصر سفينة عظيمة في البحر قد أرست إلى الشط غير بعيدة من المدينة فخرج إليها أناس ليبتاعوا ما فيها فساوموا أصحابها فوجدوا ثمنها غالياً، ثم قال بعضهم لبعض: فلننصرف اليوم دون أن نبتاع منها شيئاً حتى تكسد البضاعة على أصحاب السفينة فيرخّصوا علينا. ففعلوا ذلك فخالف إليها ابن التاجر فاشترى منهم ما كان فيها بمائة ألف دينار. فلما بلغ التجار ما فعل أتوه فأربحوه مائة ألف دينار. فانتقدها وأحال بائعه عليهم ورجع إلى أصحابه. فلما مرّ بباب المدينة كتب عليه: "عقل يوم واحد ثمنه مائة ألف درهم". فتمتعوا بما أصابوا وأخصبوا.

فلما أصبحوا في اليوم الرابع قالوا لابن الملك: انطلق فاكتسب لنا شيئاً بالقضاء والقدر. فذهب حتى أتى باب المدينة فجلس على دكان من دكاكين باب المدينة فقضي أن ملكها هلك ولم يترك ولداً ولا أخاً ولا ذوي قرابة. فمروا عليهب جنازة الملك فبصروا به لا يتحرّك ولا يتحاشى ولا يحزن لموت الملك. فسأله البواب: من أنت؟ وما يقعدك على باب المدينة ولا يحزنك موت الملك؟ فلم يجبه فشتمه وطرده، فلما مضوا رجع إلى مكانه.

ثم انصرفوا من دفن الملك فبصر به البواب وقال له بغضب: ألم أنهك عن هذا المجلس؟ وتقدم إليه فأخذه وحبسه. فلما اجتمعوا في الغد ليملّكوا عليهم رجلاً يختارونه قام الذي كان ألقى الفتى بالحبس فحدثم بقصته فقال: إنت رأيت أمس غلاماص جالساً على الباب ولم أره يحزن لحزننا وتلوح عليه لوائح العزة والشرف، كلمته فلم يجبني فألقيته بالحبس وإني أتخوف أن يكون عيناً علينا فابعثوا إليه. فأتوا به فسألوه من هو وما أمره وما الذي أقدمه أرضهم. قال: "أنا صهر ملك قروناد. توفي والدي فغلبني أخي على الملك وأنا أكبر منه فهربت منه حذراً على نفسي حتى انتهيت إليك". فلما سمعوا ذلك منه لم يتحققوا صدق كلامه حتى عرفه بعض من كان منهم يغشى بلاد أبيه. فأثنوا عليه وملّكوه عليهم وقلّدوه أمرهمز وكانت سنتهم الطواف لمن ولّوه عليهم فحملوه على فيل وأجالوا به. فلما مرّ بباب المدينة بصر بما كتب عليه أصحابه فأمر أن يكتب: "الاجتهاد والعقل والعمل وما أصاب الانسان من خير أو شرّ يجري بقضاء الله وحكمه. إعتبر ذلك بما ساق إليّ من الخير والسعادة بفضله".

ثم إن الملك أتى مجلسه فقعد على سريره وأرسل إلى أصحابه فأتوه فموّلهم وأغناهم. ثم جمع عمّاله وأهل الفضل وذوي الرأي من أهل مملكته فقال: أما أصحابي فقد استيقنوا أن الذي رزقهم الله من الخير إنما كان بما أتوه بفضل عقلهم وجمالهم ونشاطهم. وأما أنا فإن الذي منحني الله وهيّأه لي لم يكن من الجمال ولا العقل ولا الاجتهاد وإنما كان يحكمه تعالى وقضائه. وما كنت أرجو إذ طردني أخي وجفاني أن أصيب هذه المنزلة ولا أكون بها لأني قد رأيت من أهل هذه الأرض من هو أفضل مني جمالاً وحسناً وعلمت أن فيها من هو أكمل مني رأياً وأشد مني اجتهاداً. فساقني الله وقضاؤه إلى أن اغتربت فملكت أمراً قد علمه الله وقدّره وقد كنت راضياً أن أعيش بحال خشونة وشظف معيشة.

فقام شيخ كان في أرضهم فقال: أيها الملك إنك قد تكلمت بحلم وعقل ورأي حسن ظناً بك ورجاؤنا فيك وعرفنا ما ذكرت وصدّقناك بما وصفت وعلمنا أنك قد كنت لما ساق الله إليك من ذاك أهلاً بفضل قسمته عندك وتتابع نعمته عليك. فإن أسعد الناس في الدنيا والآخرة أولاهما بالسرور فيها من رزقه الله ما رزقك وجعل عنده مثل الذي جعل عندك. وقد أرانا الله الذي نحب إذ ملّكك علينا وقلّدك أمرنا فنحمد الله على ما أكرمنا به من ذلك وامتنّ علينا فيه.

ثم قام شيخ آخر فحمد الله وأثنى عليه ومجّده وذكر آلاءه وقال: إيها الملك إني قد كنت وأنا غلام قبل أن أسيح في الأرض أخدم رجلاً من الناس. فلما بدا لي أن أرفض الدنيا فارقته. وقد كان أعطاني من أجرتي دينارين فأردت أن أتصدّق بأحدهما وأستنفق الآخر، فقلت: أليس أعظم لآخرتي أن أشتري نفساً بدينار فأعتقها لوجه الله. فأتيت السوق فوجدت مع صياد حمامتين فساومته فطلب بهما دينارين فجهدت على أن يعطيهما بدينار فأبى ذلك فقلت: لعلهما أن يكون زوجين أو أخوين فأخاف إن أعتقت أحدهما أن يموت الآخر. فابتعتهما منه بالثمن الذي سمّى. وأشفقت أن يطيرا مما لقيا من الجهد والهزال. فذهبت بهما إلى مكان كثير الرعي فسرّحتهما فطارا فوقعا على شجرة. ثم شكرا في وسمعت أحدهما يقول للآخر: لقد خلّصنا هذا السائح من البلاء الذي كنا فيه وإنا لخليقان أن نجازيه بفعله. ثم قالا لي: لأنك قد أتيت إلينا بما نحن أهل أن نشكرك به ونعرفه لك فاعلم أن في أصل هذه الشجرة جرة مملوءة دنانير فخذها.

فأتيت الشجرة وأنا في شك مما قالا لي، فلم أحفر إلا قليلاً حتى انتهيت إليها فاستخرجتها ودعوت الله لهما بالعافية وقلت لهما: إذا كان عملكما هذا العلم بما تحت الأرض وأنتما تطيران بين السماء والأرض فكيف وقعتما في هذه الورطة التي أنجيتكما منها؟ قالا: أما تعلم أيها العاقل أن القدر إذا نزل أغشى البصر. والقدر يغلب كل شيء ولا يستطيع أحد أن يجاوزه.

ثم قال الفيلسوف للملك: ليعرف أهل النظر أن الأمور والعلم بها أن الأشياء كلها بقضاء وقدر لا يجلب منها أحد على نفسه محبوباً ولا يدفع عنها مكروهاً إلا بإذن الله يفعل فيها ما أراد ويقضي منها ما أحب. فلتسكن إلى ذلك الأنفس ولتطمئن إليه القلوب فإن في ذلك لمن ألهمه الله ووفّق له سعة وراحة.







شـريـف
مؤسس المنتدى
مؤسس المنتدى

ذكر
مصر

عدد المشاركات :: 7336

تاريخ التسجيل :: 07/05/2010

قصة رد: كتاب كليلة ودمنة

مُساهمة من طرف شـريـف في 6/7/2011, 6:09 pm

باب الأسوار واللبوءة والشعهر

قال الملك للفيلسوف: قد سمعت ما ذكرت من أمر القضاء والقدر وغلبتهما الأشياء، فأخبرني عن من يدع ضرّ غيره لما يصيبه من الضر ويكون له في ما ينزل به واعظ وزاجر عن ارتكاب الظلم والعدوان في غيره.

فقال الفيلسوف: إنه لا يقدر على طلب ما يضر بالناس ويسوؤهم إلا أهل الجهالة والسفه وسوء النظر في عواقب الأمور من الدنيا والآخرة وقلة العلم بما يدخل عليهم في ذلك من حلول النقمة ويلزمهم من تبعة ما اكتسبوا مما لا يحيط به القول. فإن سلم بعضهم من بعض لفتنة عرضبت قبل نزول وبال ما صنعوا، اغترّ بهم الآخرون بما ينقطع فيه الكلام والوصف من الشدة وعظم الهول. وربما اتعظ الجاهل واعتبر بما يصيبه من المكروه من غيره فارتدع عن أن يغشى أحداً بمثل ذلك الظلم والعدوان وحصل له نفع بأن كفّ عنه في العاقبة. ونظير ذلك الحديث حديث الأسوار واللبؤة والشعهر.

قال الملك: وكيف كان ذلك؟

قال بيدبا الفيلسوف: زعموا أن لبؤة كانت في غيضة ولها شبلان وأنها خرجت تطلب الصيد وخلّفتهما فمرّ بهما أسوار فحمل عليهما فقتلهما وسلخ جلدهما فاحتقبهما وانصرف بهما إلى منزله. فلما رجعت اللبؤة فرأت ماحل بهما من الأمر الفظيع الهائل الموجع للقلوب سخنت عينها واشتد غيظها وطال همها واضطربت ظهراً لبطن وصاحت. وكان إلى جانبها شعهر جار لها. فلما سمع صيحتها وجزعها قال: ما هذا الذي نزل بك وحل بعقوبتك؟ هلمي فأخبريني لأشركك فيه أو أسليه عنك.

فقال اللبؤة: شبلاي مرّ عليهما أسوار فقتلهما وأخذ جلدهما فاحتقبهما وألقاهما بالعراء.

قال الشعهر: لا تجزعي ولا تصرخي وأنصفي من نفسك واعلمي أن هذه الأسوار لم يأت إليك شيئاً إلى وقد فعلت بغيرك مثله ولم تجدي من الغيظ والحزن على شبليك شيئاً إلا وقد وجده غيرك بأحبابه لما تفعلين فوجدت اليوم مثله وأفضل منه. فاصبري من غيرك على ما صبر منك عليه غيرك. فإنه قد قيل: كما تدين تدان، وإن ثمرة العقل العقاب والثواب وهما على قدره في الكثرة والقلة كالنزاع الذي إذا حضر الحصاد أعطى كلا على حساب بذره.

قالت اللبؤة: صف لي ما تقول واشرحه لي.

قال الشعهر: كم أتى لك من العمر؟

قالت اللبؤة: مائة سنة.

فقال الشعهر: ما كان الذي يعيشك ويقوتك؟
قالت اللبؤة: لحوم الوحش.

قال الشعهر: أما كان لتلك الوحوش آباء وأمهات؟

قالت اللبؤة: بلى.

فقال الشعهر: ما لنا لا نسمع لأولئك الآباء والأمهات من الضجة والوجع والصراخ ما نرى منك. أما أنه لم يصبك ذلك إلا لسوء نظرك في العواقب وقلة تفكرك فيها وجهالتك بما يرجع عليك من ضرها.

فلما سمعت اللبؤة عرفت أنها هي التي جنت ذلك على نفسها وجرّته إليها، وأنها هي الضالة الجائرة، وأنه من عمل بغير العدل والحق انتقم منه وأديل عليه. فتركت الصيد وانصرفت عن أكل اللحم إلى الثمار وأخذت في النسك والعبادة.

ثم إن الشعهر وكان عيشته من الثمار رأى كثر أكلها منها فقال لها: لقد ظننت إن رأيت قلة الثمار أن الشجر لم يحل هذا العالم لقلة الماء، فلما رأيت أكلك إيها وأنت صاحبة لحم ورفضك رزقك وما قسم الله لك وتحولك إلى رزق غيرك فانتقصته ودخلت عليه فيه فعلمت أن الشجرة قد أثمر كما كان يثمر فيما خلا، وإنما أنت قلة الثمر في ذلك من قبلك. فويل للشجر والثمار ولمن كان عيشه منها ما أسرع هلاكهم ودمارهم إذ قد نازعهم في ذلك من لا حق له فيها ولا نصيب، وغلبهم عليها من كان معتاداً لأكل اللحوم. فانصرفت اللبؤة عن أكل الثمار وأقبلت على أكل الحشيش والعبادة.

وإنما ضربت لك هذا المثل لتعلم أن الجاهل ربما انصرف لمكروه حل به عن ضرّ الناس كاللبؤة التي تركت بما لقيت في شبليها عن أكل لحوم الوحوش ثم عدلت لقول الشعهر عن أكل الثمار فأكلت الحشيش وأقبلت على النسك والعبادة.

ثم قال الفيلسوف للملك: فالناس أحق بحسن النظر في ذلك والأخذ بالذي لهم الحظ فيه. فإن في ذلك العدل وفي العدل رضا الله والناس.

باب الحمامة والثعلب ومالك الحزين

قال الملك للفيلسوف: قد سمعت هذا المثل فاضرب لي مثلاً في شأن الرجل الذي يرى الرأي لغيره ولا يراه لنفسه.

قال الفيلسوف: إن مثل ذلك مثل الحمامة والثعلب ومالك الحزين.

قال الملك: وما مثلهم؟

قال الفيلسوف: زعموا أن حمامة كانت تفرّخ في رأس نخلة طويلة ذاهبة في السماء. فكانت الحمامة إذا شرعت في نقل العيش إلى رأس تلك النخلة لا يمكنها ذلك إلا بعد شدة وتعب ومشقة لطول النخلة وسحقها. فإذا فرغت من النقل باضت ثم حضنت بيضها. فإذا فسقت وأدرك فراخها جاءها ثعلب قد تعاهد ذلك منها لوقت علمه يقدر ما ينهض فراخها فيقف بأصل النخلة فيصيح بها ويتوعدها أن يرقى إليها فتلقي إليه فراخها.

فبينما هي ذات يوم وقد أدرك لها فرخان إذ أقبل مالك الحزين فوقع على النخلة. فلما رأى الحمامة كئيبة حزينة شديدة الهم قال لها: يا حمامة ما لي أراك كاسفة البال سيئة الحال؟ فقالت له: يا مالك الحزين، إن ثعلباً دهيت به كلما كان لي فرخان جاءني يهددني ويصيح في أصل النخلة فأفرق منه فأطرح إليه فرخيّ. قال اله مالك الحزين: إذا أتاك ليفعل ما تقولين فقولي له: لا ألقي إليك فرخيّ فارْق إليّ وغرر بنفسك. فإذا فعلت ذلك وأكلت فرخي طرت عنك ونجوت بنفسي.

فلما علّمها مالك الحزين هذه الحيلة طار فوقع على شاطئ نهر. فأقبل الثعلب في الوقت الذي عرف فوقف تحتها ثم صاح كما كان يفعل. فأجابته الحمامة بما علمها مالك الحزين. فقال لها الثعلب: أخبريني من علمك هذا؟ قالت: علمني مالك الحزين.

فتوجه الثعلب حتى أتى مالكاً الحزين على شاطئ النهر فوجده واقفاً، فقال له الثعلب: يا مالك الحزين إذا أتتك الريح عن يمينك أين تجعل رأسك؟ قال: أجعله عن شمالي. قال: فإذا أتتك عن شمالك أين تجعل رأسك؟ قال: أجعله عن يميني أو خلفي. قال: فإذا أتتك من كل مكان ومن كل ناحية أين تجعله؟ قال: أجعله من تحت جناحي. قال: وكيف تستطيع أن تجعله تحت جناحك؟ ما أراه يتهيّأ لك. قال: بلى. قال: فأرني كيف تصنع. فلعمري يا معشر الطير لقد فضلكم الله علينا. إنكن تدرين في ساعة واحدة مثل ما ندري في سنة وتبلغن ما لا نبلغ وتدخلن رؤوسكن تحت أجنتكن من البرد والريح فهنيئاً لكنّ. فأرني كيف تصنع. فأدخل الطائر رأسه تحت جناحه فوثب عليه الثعلب فأهذه فهمزه همزة دق بها صلبه ثم قال له: يا عدوّ نفسه ترى الرأي للحمامة وتعلمها الحيلة لنفسها وتعجز عن ذلك لنفسك حتى يتمكن منك عدوك، ثم قتله وأكله.







شـريـف
مؤسس المنتدى
مؤسس المنتدى

ذكر
مصر

عدد المشاركات :: 7336

تاريخ التسجيل :: 07/05/2010

قصة رد: كتاب كليلة ودمنة

مُساهمة من طرف شـريـف في 6/7/2011, 6:09 pm

مثل المصدّق المخدوع

زعموا أنه ذهب سارق حتى علا بيت رجل من الأغنياء ليلاً ومعه أصحاب له فاستيقظ صاحب البيت فأحسّ بهم، وعرف أنهم لم يعلوا ظهر البيوت تلك الساعة إلا لريب، فنبّه امرأته وقال لها رويداً، إني لأحسّ باللصوص قد علوا ظهر بيتنا فإني متناوم، فأيقظيني بصوت يسمعه مَن فوق البيت ثم نادي: يا صاحب البيت ألا تخبرني عن أموالك هذه الكثيرة وكنوزك من أين جمعتها. فإذا أبيت عليك فألحّي في السؤال. ففعلت المرأة ذلك وسألته كما أمرها واستمع اللصوص حديثهما فقال الرجل: يا أيتها المرأة قد ساقك القدر إلى رزق كثير فكلي واسكتي ولا تسألي عما لو أخبرتك به لم آمن أن يسمعه سامع فيكون في ذلك ما أكره وتكرهين. قالت المرأة: أخبرني أيها الرجل فلعمري ما يقربنا أحد يسمع كلامنا. قال: فإني أخبرك أني لم أجمع هذه الأموال وهذه الكنوز إلا من السرقة. قالت: وكيف جمعت هذه الأموال وهذه الكنوز من السرقة وأنت في أعين الناس عدل رضاً لا يتهمك أحد ولم يرتب بك.
قال: ذلك لعلم أصبته في علم السرقة فكان الأمر أوفق وأيسر من أن يتهمني أحد ويرتاب بي. قالت: وكيف ذلك؟ قال: كنت أذهب في الليلة المقمرة ومعي أصحابي حتى أعلوا ظهر البيت الذي أريد أن أسرق أهله وأنتهي إلى الكوّة التي يدخل منها ضوء القمر فأرقي بهذه الرقية (شولم شولم) سبع مرات ثم أعتنق الضوء فأنهبط به إلى البيت فلا يحس بوقعتي أحد، ثم أقوم في أصل الضوء فأعيد الرقية سبع مرات فلا يبقى في البيت مال ولا عِلق إلا بدا لي وأمكنني أن أتناوله فآخذ من ذلك ما أحببت. ثم أعتنق الضوء وأعيد الرقية سبع مرات فأصعد إلى أصحابي وأحملهم ما معي ثم ننسلّ.
فلما سمع اللصوص ذلك فرحوا فرحاً شديداً وقالوا: لقد ظفرنا من هذا البيت بما هو خير لنا من المال الذي نحن مصيبوه منه، لقد أصبنا علما أذهب الله به عنا الخوف وأمّننا من السلطان. ثم أطالوا المكث حتى استيقنوا في أنفسهم أن صاحب البيت وامرأته قد ناما، فتقدم رئيسهم إلى مدخل الضوء من الكوة ثم قال (شولم شولم) سبع مرات، ثم اعتنق الضوء لينزل به كما زعم فوقع في البيت منكّساً، ووثب الرجل بهراوة فضربه حتى أثخنه ثم قال له: من أنت؟ قال: أنا المصدق المخدوع وهذه ثمرة التصديق.
فلما تحرّزت من التصديق بما لا آمن أن يوقعني في الهلكة عدت للبحث عن الأديان والتماس العدل منها، فلم أجد عند أحد جواباً عما سألته عنه ولا فيما ابتدأني به شيئاً يحق عليّ في عقلي أن أصدق به فأتبعه. فقلت لما لم أجد ثقة آخذ منه فالرأي أن أتبع دين آبائي الذين وجدتهم عليه. فلما ذهبت ألتمس العذر لنفسي في ذلك لم أجد الثبوت على دين الآباء لي عذرا وقلت: إن كان هذا عذراً، فالساحر الذي وجد أباه ساحراً في عذر مع أشباهه، وذلك مما لا يحتمله العقل. وذكرت رجلاً كان فاحش الأكل يُعاب ذلك عليه فاعتذر بأن قال: هكذا كان يأكل آبائي وأجدادي.
فلم أجد على الثبوت على دين الآباء سبيلاً ولا في ذلك عذراً ورأيت التفرع للبحث عن الأديان مشكلاً تخوفت قرب الأجل وسرعة انقطاع الأمل، فقلت: أما أنا فلعلي أفارق الدنيا وشيكاً دون صالح الأعمال فيشغلني ترددي عن خير كنت أعمله ويكون أجلي دون بلوغ ما ألتمس به فيصيبني مثل الخادم والرجل.

مثل الخادم والرجل

زعموا أن رجلاً تواطأ مع خادم في بيت لأحد الأغنياء على أن يأتي البيت في كل ليلة يغيب صاحبه فيعطيه شيئاً من متاع سيده فيبيعه ويتشاطرا ثمنه. فاتفق ذات يوم أن غاب أهل البيت وبقي الخادم وحده فأنفذ فأخبره الرجل فأقبل. وفيما هما يجمعان المال إذ قرع الباب وعاد رب البيت على بغتة. وكان للبيت باب آخر لم يكن يعلمه الرجل وبقربه جبّ ماء. فقال الخادم للرجل: أسرع واخرج من الباب الذي عند الجب.
فانطلق الرجل ووجد الباب لكنه لم يجد الجب فرجع إلى الخادم وقال له: أما الباب فوجدته، وأما الجب فلم أجده. فقال الخادم: ويحك انجُ بنفسك ولا تكترث للجبّ. قال الرجل: كيف أذهب وقد خلطت عليّ فذكرت الجب وليس هناك. قال الخادم: دع عنك الحمق والتردد وفرّ عاجلاً. فلم يزل ينازعه حتى دخل رب البيت فأخذه وأوجعه ضرباً ثم دفعه إلى السلطان.
فلما خفت من التردد والتجوال رأيت أن لا أتعرض لما خفت من ذلك وأن أقتصر على كل عمل تشهد الأنفس على أنه صحيح وتوافق عليه الأديان. فكففت يدي عن الضرب والقتل والغضب والسرقة والخيانة وحصّنت نفسي من الفجور وحفظت لساني من الكذب ومن كل كلام فيه ضرر على أحد، وكففت لساني عن الشتم والعضيهة والخنا والبهتان والغيبة والسخرية.
والتمست من قلبي بأن لا أتمنى لأحد سوءاً ولا أكذب بالبعث والقيامة الثواب والعقاب. وزايلت الأشرار بقلبي ولزمت الصلحاء والأخيار جهدي. ورأيت الصلاح ليس كمثله صاحب ولا قرين ورأيت مكسبه إذا وفّق له وأعان عليه يسيراً ووجدته أحنّ على صاحبه وأبرّ من الآباء والأمهات. ووجدته يدل على الخير ويشير بالنصح فعل الصديق بالصديق، ووجدته لا ينقص إذا أنفق منه صاحبه بل يزداد على الاستعمال والابتذال جدة حسنة. ووجدته لا خوف عليه من السلطان أن يسلبه ولا من شيء من الآفات، لا من الماء أن يغرّقه ولا من النار أن تحرقه ولا من اللصوص أن تسرقه ولا من شيء من السباع وجوارح الطير أن تمزقه. ووجدت الرجل الذي يزهد في الصلاح وعاقبته ويلهيه عن ذلك قليل ما هون فيه من حلاوة العاجل، إنما مثله فيما أنفذ فيه أيامه ويلهيه على ما ينفعه كمثل التاجر والضارب بالصنج.







شـريـف
مؤسس المنتدى
مؤسس المنتدى

ذكر
مصر

عدد المشاركات :: 7336

تاريخ التسجيل :: 07/05/2010

قصة رد: كتاب كليلة ودمنة

مُساهمة من طرف شـريـف في 6/7/2011, 6:11 pm

مثل التاجر والضارب بالصَّنج

زعموا أن تاجراً كان له جوهر كبير ثمين، فاستأجر رجلا لثقبه وحمله بمئة دينار ليومه ذلك. فانطلق به إلى بيته، فلما قعد وإذا هو بصنج موضوع في ناحية البيت فقال التاجر لصاحبه: هل تضرب بالصنج؟ قال: وفوق ذلك. قال: فدونك. فتناول الرجل الصنج وكان به ماهراً فلم يزل يُسمعه من صوت جيد وصوت مصيب حتى أمسى وترك سفط جوهره مفتوحاً واقبل على الضرب واللهو. فلما أمسى قال الرجل للتاجر: مُرْ بأجرتي. فقال: ما عملت شيئاً فتأخذ أجرته.
قال: عملت ما أمرتني أن أعمل. فوفاه مائة دينار وبقي جوهره غير مثقوب.
فلم أزدد في الدنيا وشهواتها نظراً إلاّ ازددت فيها زهادة فرأيت أن أعتصم بالتألّه والنسك ورأيت النسك يمهّد للمعاد كما يمهّد للولد أبواه ورأيته كالجنة الحريزة في دفع الشر الدائم الباقي، ورأيته الباب المفتوح إلى الجنة دار النعيم. ووجدت الناسك إذا فكّر تعلوه السكينة، فإذا تواضع وقنع واستغنى ورضي فلا يهم إذ خلع الدنيا فنجا من الشرور ورفض الشهوات فصار طاهراً وانعزل فكُفي الأحزان وطرح الحسد، فظهرت عليه المحبة وسخت نفسه عن كل فانٍ فاستكمل العقل وأبصر العاقبة فأمن الندامة ولم يذنب فسلم. فلم أزدد في أمر النسك نظراً إذا ازددت فيه رغبة حتى هممت أن أكون من أهله.
ثم تخوّفت ألا أصبر على عيش النساك وأن تضر بي العادة التي بها ربيت وغذيت ولم آمن إن أنا خلعت الدنيا وأخذت في النسك أن أضعف عن ذلك وأكون قد رفضت أعمالاً كنت أعملها قبل ذلك مما أرجو عائدتها، فيكون مثلي في ذلك كمثل الكلب الذي مرّ بنهر وفي فيه ضلع فرأى ظلّ الضّلع في الماء فأهوى ليأخذه فأهلك الذي كان في فيه ولم ينل الذي طمع فيه. فهبت النسك هيبة شديدة وخفت على نفسي الضجر وقلة الصبر وأردت الثبوت على حالتي التي كنت عليها.
ثم بدا لي أن أقيس بين ما أخاف وما أصبر عليه من الأذى والضيق في النسك وبين الذي يصيب صاحب الدنيا من البلاء فيها، وكان بيّنا عندي أنه ليس من شهوات الدنيا ولذاتها شيء إلا هو متحول أذى ومورث حزنا. فالدنيا كالماء المالح الذي ما يزداد صاحبه منه شرباً إلا ازداد عطشاً. وكالعظم يصيبه فيجد فيه ريح اللحم فلا يزال يلوكه لطلبه ذلك اللحم فيدمي فاه ثم لا يزداد له طلباً إلا ازداد لفيه إدماء. وكالحدأة التي تظفر بالبضعة من اللحم فيجتمع عليها الطير فلا تزال في تعب وهرب حتى تلفظ ما معها وقد أعيت وتعبت. وكالقلّة من العسل في أسفلها موت ذعاف. وكأحلام النائم التي تفرحه فإذا استيقظ انقطع الفرح عنه. وكالبرق الذي يضيء قليلاً ويذهب وشيكاً ويبقى راجيه في الظلام مقيماً. وكدودة الإبريسم لا يزداد الإبريسم على نفسها لفاً إلا ازدادت من الخروج منه بعداً.
فلما فكّرت في هذه الأمور راجعت نفسي في اختيار النسك ثم خاصمتني فقلت: ما يجوّز هذا لي أن أفرّ من الدنيا إلى النسك إذا فكّرت في شرورها، ثم أفر من النسك في الدنيا إذا تذكّرت ما فيه من المشقة والضيق فلا أزال في تصرف لا أبرم رأياً ولا أعزم على أمر كالقاضي الذي سمع من أول الخصمين فقضى له على الآخر ثم سمع الآخر فقضى له على الأول.
ونظرت في الدنيا يهولني من أذى النسك وضيقه فقلت: ما أصغر هذا وأقله في جنب روح الأبد وراحته. فنظرت فيما تشره إليه النفس من لذة الدنيا فقلت: ما أمرّ هذا وأوخمه وهو يدفع إلى الشر وهوانه. وقلت: كيف لا يستحلي الرجل مرارة قليلة تعقبها حلاوة طويلة وكيف لا يستمر حلاوة قليلة تؤديه إلى مرارة كثيرة دائمة. وقلت: لو أن رجلاً عرض عليه أن يعيش مائة سنة لا يأتي عليه من ذلك يوم إلا قطّع فيه قطعا، ثم أحيي، ثم أعيد عليه مثل ذلك غير أنه شرط له إذا استوفى المئة سنة نجا من كل ألم فليس يكون حقيقاً إذا صار إلى الأمن والسرور ألاً يرى تلك السنين شيئاَ.
أو ليس الإنسان يتقلب في عذاب الدنيا من حين مولده إلى أن يستوفي أيام حياته، فإذا كان جنينا في بطن أمه كان في أضيق الحبوس وأظلمها. وإذا وقع على الأرض فأصابته ريح أو لمسته يد وجد لذلك من الألم ما لا يجده الإنسان الذي قد سُلخ جلده. ثم هو في ألوان من العذاب إذا جاع وليس به استغاثة مهما يلقى من الرفع والوضع واللف والحل والدهن. وإذا نوّم على ظهره لم يستطع تقلّباً مع أصناف من العذاب ما دام رضيعاً.
فإذا انقلت من عذاب الرضاع أخذ في عذاب الأدب فأذيق منه ألواناً من عنف المعلم وضجر الدرس وسأم الكتابة. ثم له من الدواء والحمية والأوجاع والأسقام أوفى حظ. فإذا أدرك لحقه هم الأهل وجمع المال وتربية الولد ولعب به الشره والحرص ومخاطرة الطلب والسعي. وفي كل هذا نتقل معه أعداؤه الأربعة، أي المرّة والدمة والبلغم والريح والسم المميت والحيّات اللادغة مع خوف السباع والهوام وخوف الحر والبرد والأمطار والرياح. ثم ألوان العذاب من الهرم لمن يبلغه. فلوم لم يخف من هذه الأمور شيئاً وشرط له بالأمن من ذلك كله فوثق بالسلامة منها فلم يعتبر إلا في الساعة التي يحضره فيها الموت ويفارق فيها الدنيا وما هو نازل به تلك الساعة من فراق الأهل والأحبة والأقارب وكل مضنون به من الدنيا والإشراف على هول المطّلع الفظيع المعضل بعد الموت، لكان حقيقاً أن يعدّ عاجزاً مفرّطاً محتملاً للإثم إن لم يعمل لنفسه ويحتل لها جهد حيلته، ويرفض ما يشغله ويلهيه من شهوات الدنيا وغرورها لا سيما في هذا الزمان الشبيه بالصافي وهو كدر.

فإنه وإن كان الملك قد جعله الله سعيداً ميمون النقيبة حازم الرأي رفيع الهمة بليغ الفحص، عدلا براً جواداً صدوقاً شكوراً، رحب الذراع متفقداّ للحقوق ومواظباً مستمراً فهماً نفاعاً ساكناً بصيراً حليما رؤوفاً رحيماً رفيقاً، عالماً بالناس والأمور، حباً للعلم والعلماء والأخيار، شديداً على الظلمة، غير جبان ولا خفيف القيادة، رفيقاً بالتوسع على الرعية فيما يحبون والدفع عنهم لما يكرهون، فإنا على ذلك قد نرى الزمان مدبراً بكل مكان. فكأن أمر الصدق قد تورعت من الناس فأصبح مفقودا ما كان غزيراً فقده وموجوداً ما كان ضاراً وجوده. وكأن الخير أصبح ذابلاً وأصبح الشر ناضراً. وكأن الغيّ أقبل ضاحكا وأدبر الرشد باكياً، وكأن العدل أصبح غائراً وأصبح الجور غالباً، وكأن الكرم أصبح مدفوناً وأصبح الجهل منشوراً، وكأن اللؤم أصبح أشراً وأصبح الكرم موطوءاً، وكأن الودّ أصبح مقطوعاً والبغضاء والحسد موصولاً، وكأن الكرامة قد سلبت من الصالحين وتوخى بها الأشرار، وكأن الخبّ أصبح مستيقظاً والوفاء نائماً، وكأن الكذب أصبح مثمراً والصدق قاحلاً يابساً، وكأن العدل ولّى غائراً وأصبح الباطل مرحاً، وكأن اتباع الهوى وإضاعة الحكم أصبح بالحكماء، موكّلا وأصبح المظلوم بالخسف مقراً والظالم لنفسه مستطيلا، وكأن الحرص أصبح فارغاً فاه من كل جهاد يتلقفه ما قرب منه وما بعد وأصبح الرضا مفقوداً مهجولا، وكأن الأشرار أضحوا يسامون السماء وأصبح الأخيار يريدون مطبق الأرض، وأصبحت المروءة مقذوفاً بها من أعلى شُرفٍ إلى أسفل سافلين، وأصبحت الدناءة مكرّمة ممكّنة، واصبح السلطان منتقلاً من أهل الفضل إلى أهل النقص، وأصبحت الدنيا جذلة مسرورة مرحة مختالة تقول: غيّبت الحسنات وأظهرت السيئات.

فلما فكّرت في الدنيا وأمورها وأن هذا الإنسان هو أشرف الخلق وأفضله فيها، ثم هو على منزله لا يتقلّب إلا في شر ولا يوصف إلا به، وعرفت أنه ليس من أحد له أدنى عقل إلا وهو يعقل هذا ثم لا يحتاط لنفسه ولا يعمل لنجاتها. فعجبت من ذلك كل العجب ونظرت فإذا هو لا يمنعه من ذلك إلا لذة صغيرة حقيرة طفيفة من الشم والطعم واللمس، لعله يصيب منها لطيفاً أو يتمنى منها طفيفاً لا يوصف قله مع سرعة انقطاع. فذلك الذي يشغله عن الاهتمام بأمر نفسه وطلب النجاة لها.

مثل الرجل والتنين

للإنسان في ذلك مثلاً فإذا مثله مثل رجل ألجأه خوف إلى بئر فتدلى فيها وتعلق بغصن بأعلى شفيرها فوقعت رجلاه على عمدها فنظر فإذا هي حيات أربع قد أطلعن رؤوسهن من جحورهن. ونظر إلى أسفل البئر فإذا هو بتنين فاغر فاه نحوه. ورفع رأسه إلى الغصن فإذا هي أصلة جرذان أبيض وأسود يقرضان الغصن دائبين لا يفتران. فبينما هو في النظر والاجتهاد لنفسه وابتغاء الحيلة في ذلك، إذ نظر فإذا قريب منه نحل قد صنعن شيئاً من العسل فأراد أن يأكل منه قليلا فشغل قلبه عن التفكر في أمره والتماس حيلة ينجي بها نفسه فنسي أن يذكر الجرذين الدائبين في قطع الغصن، وانهما إذا قطعاه وقع فِي التنين، فلم يزل لاهياً غافلاً حتى هلك.
فشبهت البئر بالدنيا المملوءة إفكاً وبلايا وشرورا ومخاوف. وشبهت الحيات الأربع بالأخلاط الأربعة التي هي في بدن الإنسان. فمتى ما هاج منها شيء كان كحمة الأفعى والسم المميت. وشبهت الجرذين بالليل والنهار. وشبهت قرضهما للغصن دائبين دور الليل والنهار في إفناء الأجل الذي هو حصن الحياة. وشبهت التنين بالموت الذي لا بد منه. وشبهت العسل بهذه الحلاوة القليلة التي يرى الإنسان ويشم ويطعم ويسمع ويلمس فتشغله عن نفسه وتنسيه أمره وتلهيه عن شأنه وتصرفه عن سبل النجاة. فصار أمري إلى الرضا بما لي وإصلاح ما استطعت إصلاحه من عملي لعلي أصادف فيما أمامي زماناً أصيب فيه دليلاً على هداي وسلطاناً على نفسي وأعواناً على أمري، فأقمت على هذه الحال، وانصرفت من الهند إلى بلادي وقد انتسخت من كتبها كتبا كثيرة منها هذا الكتاب.

مثل المكتشف الكنز
ومن استكثر من جمع العلوم وقراءة الكتب من غير إعمال الروية فيما يقرأه كان خليقاً أن لا يصيبه إلا كما أصاب الرجل الذي زعمت العلماء أنه اجتاز ببعض المفاوز فظهرت له آثار كنوز، فجعل يحفز ويطلب فوقع على شيء كثير من عين وورق، فقال في نفسه: إن أخذت في نقل هذا المال كان إخراجي له قد قطعني الاشتغال بنقله عن اللذة بما أصيب منه، ولكن استأجر قوماً يحملونه إلى منزلي وأكون أنا آخرهم ولا أبقي ورائي قوماً يحملونه إلى منزلي وأكون أنا آخرهم ولا أبقي ورائي شيئاً أشغل فكري بنقله، وأكون قد استظهرت في إراحة بدني عن الكد بيسير أجرة أعطيها لهم. ثم جاء بالحمالين فجعل يسلّم إلى كل واحد منهم ما يقدر على حمله ويقول له: اذهب به إلى منزلي. فينطلق به الحمّال إلى منزل نفسه فيغدر به، حتى إذا لم يبق من الكنز شيء انطلق إلى منزله فلم ير فيه من المال شيئاً ووجد كل واحد من الحمالين قد فاز بما حمله لنفسه، ولم يكن له من ذلك العناء والتعب لأنه لم يفكر في آخر أمره.

مثل الجوز الصحيح والصحيفة الصفراء
وكذلك من يقرأ هذا الكتاب ولم يعلم غرضه ظاهراً وباطناً لم ينتفع بما بدا له من خطّه ونقشه، كما لو قدّموا لرجل جوزاّ صحيحاً لم ينتفع به إلا أن يكسره وينتفع بما فيه. وكان كالرجل الذي طلب علم الفصيح فرسم له بعض أصدقائه صحيفة صفراء فيها فيصيح الكلام وتصاريفه ووجوهه، فانصرف المتعلم إلى منزله وجعل يكثر قراءتها فلا يقف على معانيها ولا يعرف ما فيها. ثم أنه جلس ذات يوم في محفل من أهل العلم والأدب والفطنة وهو يظن أنه قد اكتفى بما فازه من تلك الصحيفة فأخذ في محاورتهم، فجرت له كلمة أخطأ فيها فقال به عضهم: إنك قد أخطأت فيها والوجه غير ما تكلمت به. فقال: كيف أخطئ وقد قرأت الصحيفة الصفراء وهي في منزلي. فكانت مقالته أوجب الحجة عليه وزاده ذلك توهاً من الجهل وبعداً من الأدب.







شـريـف
مؤسس المنتدى
مؤسس المنتدى

ذكر
مصر

عدد المشاركات :: 7336

تاريخ التسجيل :: 07/05/2010

قصة رد: كتاب كليلة ودمنة

مُساهمة من طرف شـريـف في 6/7/2011, 6:13 pm

مثل الرجل الصابر على اللص

ثم إن العاقل إذا فهم هذا الكتاب وتفقهه وبلغ نهايته وعلم ما فيه، ينبغي له أن يعمل بما علمه منه لينتفع به ويجعله مثالاً لا يحيد عنه. فإذا لم يفعل ذلك كان مثله مثل الرجل الذي يقال إن سارقاً تسوّر عليه وهو نائم في منزله فعلم به فقال: والله لأسكتنّ حتى أنظر ما يصنع ولا أذعره ولا أعلمه أني قد علمت به، فإذا بلغ مراده قمت إليه فنغّصت ذلك عليه. ثم أمسك عنه وجعل السارق يطوف، فطال تردده على الرجل في جمع ما يجده فغلبه النعاس فنام، وفرغ اللص مما أراد فأمكنه الذهاب. ثم استيقظ الرجل فوجد اللص قد فاز بما أخذ من المتاع فأقبل على نفسه باللوم حين عرف بأنه لم ينتفع بعلم موضع اللص إذ لم يستعمل في أمره ما يجب.

ويقال أن العلم لا يتم إلا بالعمل، وإن العلم كالشجرة، والعمل فيها كالثمرة، فليلزم صاحب العلم القيام بالعمل لينتفع به، وإن لم يستعمل ما يعلم فلا يسمّى عالماً. ولو أن رجلا كان عالما بطريق مخوف ثم سلكه على علم به يسمى جاهلاً. ولعله يكون قد حاسب نفسه فوجدها قد ركبت أهواءً وهجمت به فيما هو أعرف بضررها فيه وأذاها به من ذلك السالك في الطريق المخوف الذي عرفه. ومن ركب هواه ورفض ما ينبغي أن يعمل بما جرّبه أو علّمه غيره، كان كالمريض العلام برديء الطعام والشراب وجيّده وخفيفه وثقيله ثم يحمله الشره على رديئه وترك استعمال ما هو أقرب إلى النجاة والتخلص من علته.

مثل البصير والأعمى

وأقل الناس عذراً في اجتناب محمود الفعال وارتكاب مذمومه من أبصره وميّزه وعرف فضل بعضه على بعض. كما أنه لو كان رجلان أحدهما بصير والآخر أعمى ساقهما الأجل إلى حفرة فوقعا فيها، كانا إذا صارا جميعاً في قعرها بمنزلة واحدة في الهلكة. غير أن البصير أقل عذراً عند الناس من الضرير، إذ كانت له عينان يبصر بهما. وذاك بما صار إليه جاهل غير عارف.

وعلى العالم أن يبدأ بنفسه فيؤدبها بعلمه ولا تكون غايته اقتناءه العلم لمعاونة غيره، فيكون كالعين التي يشرب الناس ماءها وليس لها في ذلك شيء من المنفعة، وكدودة القز التي تحكم صنعته ولا تنتفع به.

فقد ينبغي لمن طلب العلم أن يبدأ بعظة نفسه. ثم عليه بعد ذلك أن يقبسه، فإن خلالاً ينبغي لصالح الدنيا أن يقتبسها، منا اتخاذ المعروف وأن لا يعيب أحداً بشيء هو فيه، فيكون كالأعمى الذي يعبر الأعمى بعماه. وينبغي لمن طلب أمراً أن يكون له فيه غاية يعمل بها ويقف عندها ولا يتمادى في الطلب. فإنه يقال من سار إلى غير غاية فيوشك أن تنقطع به مطيّته، وأنه كان حقيقاً أن لا يعنّي نفسه على طلب ما لا حدّ له وما لم ينله أحد قبله، ولا يتأسف عليه ولا يكون لدنياه مؤثراً على آخرته فإنه من لا يعلق قلبه بالعنايات قلت حسرته عند مفارقتها. وقد يقال في أمرين إنهما يجملان بكل أحد، وهما النسك والمال، وفي أمرين إنهما لا يجملان بكل أحد: الملك أن يشارك في ملكه والرجل أن يشارك في زوجته. فالخلتان الأوليان مثلهما مثل النار التي تحرق كل حطب يقذف فيها. والخلّتان الأخريان كالماء والنار اللذين لا يمكن اجتماعهما.

مثل الثعلب والطبل

قال دمنة: زعموا أن ثعلباً جائعاً أتى على أجمة فيها طبل ملقى إلى جانب شجرة. فإذا هبت الريح تحركت أغصان الشجرة وأصابت الطبل فصوّت صوتاً شديدا. فسمع الثعلب ذلك الصوت فتوجه نحوه حتى انتهى إلى الطبل. فلما رآه ضخما قال في نفسه: إن هذا لخليق بكثرة الشحم واللحم. فعالجه أشد العلاج حتى شقّه. فلما رآه أجوف، قال: لعلّ أفشل الأشياء أعظمها جثة وأعظمها صوتا.
وإنما ضربت لك هذا المثل لتعلم أن هذا الصوت الذي يروّعنا لو انتهينا إليه وجدناه أيسر مما في أنفسنا. وإن شاء الملك بعثني نحو هذا الصوت وأقام هو مكانه حتى أرجع إليه ببيان خبره. فوافق الأسد دمنة على قوله فإذن له.
فانطلق دمنة نحو المكان الذي فيه الثور. فلما فصل دمنة من عند الأسد فكّر الأسد في أمره فندم على إرساله دمنة حيث أرسله، وقال في نفسه: ما أصبت بائتماني دمنة على ما ائتمنته عليه وإطلاعه على سري بعد أن كان مطروحاً على بابي. فإن الرجل الذي يحضر على باب السلطان إذا كانت قد أطيلت جفوته من غير جرم، أو كان متعنّتاً عليه عند سلطانه، أو معروفاً بالحرص والشره، أو كان أصابه ضرّ وضيق فلم ينتعش، أو حيل بينه وبين ما كان في يديه من سلطان أو مال، أو كان يلي عملاً ففرق وانتقص منه وشورك بينه وبين آخر، أو كان اجترم جرماً يخاف العقوبة عليه، أو كان شريراً لا يحب الخير، أو كان وقف على خزاية، أو كان جنى جناية في نظرائه، أو كان أبلى هو ونظراؤه بلاءً حسناً ففضلوا في الجزاء، أو كان له عدو مشاحن ففضّل عليه في المنزلة والجاه، أو كان غير موثوق به في الدين والهوى، أو كان يرجو في شيء مما ينفعه، أو هو لعدو السلطان سلماً ولسلمه حرباً. فكل هؤلاء ليس السلطان حقيقاً أن يعجّل الاسترسال إليهم والثقة بهم والائتمان لهم. وإن دمنة ذو دهاء وأرب، فقد كان ببابي مطروحاً فلعله قد احتمل بذلك ضغنا يحمله على أن يخزنني ويتعبني. ولعله إن صادف صاحب الصوت أقوى مني سلطاناً يرغب فيما عنده فيميل معه عليّ ويدلّه على عورتي.
فلم يزل الأسد يفكر في ذلك حتى استخفه الفكر من مكانه فجعل يمشي ويقعد وينظر إلى الطريق حتى رفع له دمنة مقبلاً. فلما رآه قد أقبل وليس معه أحد اطمأنت نفسه ورجع إلى مكانه، إرادة أن لا يظن دمنة أن شيئاً استخفه من مكانه.
فلما دخل دمنة على الأسد قال له: ما صنع؟ قال: رأيت ثوراً هو صاحب الصوت الذي سمعت. قال الأسد: فما قوته؟ قال: لا شوكة له، قد دنوت منه وكلمته وحاورته محاورة الأكفاء فلم يستطع لي شيئاً. قال الأسد: لا يغرّنك ذلك منه ولا يصغرنّ عندك أمره، فإن الريح الشديدة لا تحطم الحشيش الضعيف وهي تحطم عظام الشجر والقصور. وكذلك الصناديد يقصد بعضها بعضاً. قال دمنة: لا يهابنّ الملك منه شيئاً ولا يكبرن أمره في نفسه. فإن الملك إن شاء الله أن آتيه به فيكون له عبداً سامعاً مطيعاً فعلت.
ففرح الأسد بقوله وقال: دونك، فقد شئت ذلك. ثم إن دمنة انطلق إلى الثور فقال له غير هيّاب ولا متعتع: إن الأسد أرسلني إليك لآتيه بك، وأمرني إن أنت عجّلت الإيصال إليه طائعاً أن أؤمنك على ما سلف من ذنوبك في تأخرك عنه وتركك لقياه، وإن أنت تلكّأت أن أسرع إليه الرجعة فأخبره بذلك. قال الثور: ومن هذا الأسد الذي أرسلك إليّ وأين هو؟
قال دمنة: هو ملك السباع ومنزله بمكان كذا وكذا مع جنوده من السباع.
فرعب الثور من ذكر الأسد والسباع وقال لدمنة: إن أنت جعلت لي الأمان على نفسي انطلقت معك إليه. فأعطاه دمنة الأمان وما وثق به منه.
ثم أقبلا جميعاً حتى دخلا على الأسد فأحسن الأسد مقابلة الثور وقال: قدمت هذه البلاد وما أقدمكما؟ فقصّ عليه شتربة قصته.
فقال الأسد: إن مكرمك ومحسن إليك وما صحبتني. فدعا له الثور وأثنى عليه وأقام معه وقرّبه الأسد وأكرمه ولاطفه واختبره فوجد منه رأياً وعقلاً فائتمنه على أسراره واستشاره في أموره، فلم يزده طول المقام عنده إلا عجباً به ورغبة فيه وتقريباً منه حتى صار أخصّ أصحابه عنده منزلة.
فلما رأى دمنة أن الأسد استخص الثور لنفسه دونه ودون أصحابه، وأنه صاحب خلواته وحديثه ولهوه حسده كل الحسد، وبلغ منه كل مبلغ، فشكا ذلك إلى أخيه كليلة وقال: ألا تعجب لعجز رأيي وصنيعي بنفسي ونظري فيما ينفع الأسد وإغفالي نفع نفسي وضرّها، حتى جلبت إليه من غلبني على منزلتي.
قال كليلة: أصابك ما أصاب الناسك.
قال دمنة: وكيف كان ذلك؟








شـريـف
مؤسس المنتدى
مؤسس المنتدى

ذكر
مصر

عدد المشاركات :: 7336

تاريخ التسجيل :: 07/05/2010

قصة رد: كتاب كليلة ودمنة

مُساهمة من طرف شـريـف في 6/7/2011, 6:13 pm

مثل الثعلب والطبل

قال دمنة: زعموا أن ثعلباً جائعاً أتى على أجمة فيها طبل ملقى إلى جانب شجرة. فإذا هبت الريح تحركت أغصان الشجرة وأصابت الطبل فصوّت صوتاً شديدا. فسمع الثعلب ذلك الصوت فتوجه نحوه حتى انتهى إلى الطبل. فلما رآه ضخما قال في نفسه: إن هذا لخليق بكثرة الشحم واللحم. فعالجه أشد العلاج حتى شقّه. فلما رآه أجوف، قال: لعلّ أفشل الأشياء أعظمها جثة وأعظمها صوتا.
وإنما ضربت لك هذا المثل لتعلم أن هذا الصوت الذي يروّعنا لو انتهينا إليه وجدناه أيسر مما في أنفسنا. وإن شاء الملك بعثني نحو هذا الصوت وأقام هو مكانه حتى أرجع إليه ببيان خبره. فوافق الأسد دمنة على قوله فإذن له.
فانطلق دمنة نحو المكان الذي فيه الثور. فلما فصل دمنة من عند الأسد فكّر الأسد في أمره فندم على إرساله دمنة حيث أرسله، وقال في نفسه: ما أصبت بائتماني دمنة على ما ائتمنته عليه وإطلاعه على سري بعد أن كان مطروحاً على بابي. فإن الرجل الذي يحضر على باب السلطان إذا كانت قد أطيلت جفوته من غير جرم، أو كان متعنّتاً عليه عند سلطانه، أو معروفاً بالحرص والشره، أو كان أصابه ضرّ وضيق فلم ينتعش، أو حيل بينه وبين ما كان في يديه من سلطان أو مال، أو كان يلي عملاً ففرق وانتقص منه وشورك بينه وبين آخر، أو كان اجترم جرماً يخاف العقوبة عليه، أو كان شريراً لا يحب الخير، أو كان وقف على خزاية، أو كان جنى جناية في نظرائه، أو كان أبلى هو ونظراؤه بلاءً حسناً ففضلوا في الجزاء، أو كان له عدو مشاحن ففضّل عليه في المنزلة والجاه، أو كان غير موثوق به في الدين والهوى، أو كان يرجو في شيء مما ينفعه، أو هو لعدو السلطان سلماً ولسلمه حرباً. فكل هؤلاء ليس السلطان حقيقاً أن يعجّل الاسترسال إليهم والثقة بهم والائتمان لهم. وإن دمنة ذو دهاء وأرب، فقد كان ببابي مطروحاً فلعله قد احتمل بذلك ضغنا يحمله على أن يخزنني ويتعبني. ولعله إن صادف صاحب الصوت أقوى مني سلطاناً يرغب فيما عنده فيميل معه عليّ ويدلّه على عورتي.
فلم يزل الأسد يفكر في ذلك حتى استخفه الفكر من مكانه فجعل يمشي ويقعد وينظر إلى الطريق حتى رفع له دمنة مقبلاً. فلما رآه قد أقبل وليس معه أحد اطمأنت نفسه ورجع إلى مكانه، إرادة أن لا يظن دمنة أن شيئاً استخفه من مكانه.
فلما دخل دمنة على الأسد قال له: ما صنع؟ قال: رأيت ثوراً هو صاحب الصوت الذي سمعت. قال الأسد: فما قوته؟ قال: لا شوكة له، قد دنوت منه وكلمته وحاورته محاورة الأكفاء فلم يستطع لي شيئاً. قال الأسد: لا يغرّنك ذلك منه ولا يصغرنّ عندك أمره، فإن الريح الشديدة لا تحطم الحشيش الضعيف وهي تحطم عظام الشجر والقصور. وكذلك الصناديد يقصد بعضها بعضاً. قال دمنة: لا يهابنّ الملك منه شيئاً ولا يكبرن أمره في نفسه. فإن الملك إن شاء الله أن آتيه به فيكون له عبداً سامعاً مطيعاً فعلت.
ففرح الأسد بقوله وقال: دونك، فقد شئت ذلك. ثم إن دمنة انطلق إلى الثور فقال له غير هيّاب ولا متعتع: إن الأسد أرسلني إليك لآتيه بك، وأمرني إن أنت عجّلت الإيصال إليه طائعاً أن أؤمنك على ما سلف من ذنوبك في تأخرك عنه وتركك لقياه، وإن أنت تلكّأت أن أسرع إليه الرجعة فأخبره بذلك. قال الثور: ومن هذا الأسد الذي أرسلك إليّ وأين هو؟
قال دمنة: هو ملك السباع ومنزله بمكان كذا وكذا مع جنوده من السباع.
فرعب الثور من ذكر الأسد والسباع وقال لدمنة: إن أنت جعلت لي الأمان على نفسي انطلقت معك إليه. فأعطاه دمنة الأمان وما وثق به منه.
ثم أقبلا جميعاً حتى دخلا على الأسد فأحسن الأسد مقابلة الثور وقال: قدمت هذه البلاد وما أقدمكما؟ فقصّ عليه شتربة قصته.
فقال الأسد: إن مكرمك ومحسن إليك وما صحبتني. فدعا له الثور وأثنى عليه وأقام معه وقرّبه الأسد وأكرمه ولاطفه واختبره فوجد منه رأياً وعقلاً فائتمنه على أسراره واستشاره في أموره، فلم يزده طول المقام عنده إلا عجباً به ورغبة فيه وتقريباً منه حتى صار أخصّ أصحابه عنده منزلة.
فلما رأى دمنة أن الأسد استخص الثور لنفسه دونه ودون أصحابه، وأنه صاحب خلواته وحديثه ولهوه حسده كل الحسد، وبلغ منه كل مبلغ، فشكا ذلك إلى أخيه كليلة وقال: ألا تعجب لعجز رأيي وصنيعي بنفسي ونظري فيما ينفع الأسد وإغفالي نفع نفسي وضرّها، حتى جلبت إليه من غلبني على منزلتي.
قال كليلة: أصابك ما أصاب الناسك.
قال دمنة: وكيف كان ذلك؟

مثل الناسك والعريض واللصوص

قال: زعموا أن ناسكاً اشترى عريضاً ضخماً سميناً ليجلعه قرباناً، فانطلق به يقوده فبصر به نفر مكرة فائتمروا ليخدعونه، فعرض له أحدهم فقال: أيها الناسك ما هذا الكلب الذي معك؟ ثم عرض له آخر فقال: أيها الناسك أظنك تريد الصيد بهذا الكلب. ثم عرض له ثالث فقال: إن هذا الرجل الذي عليه لباس الناسك ليس بناسك. فإن الناسك لا يقود كلباً. فقال الناسك: لعل الذي باعني سحر عينيّ. فخلّى العريض وتركه فأخذه النفر واقتسموه بينهم.
وإنما ضربت لك هذا المثل لما رجوت أن نصيب من حاجتنا بالمكر. فأنا أرى أن يغضب الملك عليّ فيأمر بي على رؤوس جنده فأضرب وأنقر حتى أتخضّب بالدماء، ثم ينتف ريشي وذنبي ثم أطرح في اصل الشجرة التي نحن عليها، ويرتحل الملك وجنوده إلى مكان كذا وكذا، حتى أمكر مكري وأحتال على البومة بحيلة يكون فيها هلاكهن. ثم آتي الأمر على علم وأطلعك على أحوالهن فننال غرضنا منهن إن شاء الله.
ففعل ذلك وارتحل مع غربانه إلى المكان الذي وُصف له. ثم إن البوم جاءت من ليلتها فلم تجد الغربان ولم تفطن للغراب في أصل الشجرة. فأشفق أن ينصرفن من قبل أن يروه فيكون تعذيبه نفسه باطلاً، فجعل يئنّ ويهمس حتى سمعته بعض البوم. فلما رأينه أخبرن به ملكهن فعمد نحوه في بومات ليسأله عن الغربان. فلما دنا منه أمر بومة أن تسأله من هو وأين الغربان؟
قال الغراب: أنا فلان ابن فلان، وأما ما سألتني عنه في أمر الغربان فلا أحسبكن ترينني في حال من لا يعلم الأسرار.
قال ملك البوم: هذا وزير ملك الغربان، وصاحب رأيه، فاسألوه بأي ذنب صنع به ما صنع؟
قال الغربان: سفّهوا رأيي وصنعوا فيّ هذا.
قال الملك: وما هذا السفه؟
قال الغراب: إنه لما كان من إيقاعكنّ بنا ما كان، استشارنا ملكنا فقال: أيها الغربان ما ترون؟ وكنت من الأمر بمكان فقلت: «أرى أنه لا طاقة لكم لقتال البوم فإنهن أشد بطشاً منكم وأجرأ قلوباً، ولكن الرأي لكم أمران: نلتمس الصلح ونعرض الفدية. فإن قبلن ذلك منكم وإلا هربتم في البلاد. وأخبرت الغربان أن قتالهم إياكن خير لكن وشرّ لهم، وأن الصلح أفضل ما هم مصيبون منكنّ وأمرتهم بالخضوع. وضربت لهم مثلاً في ذلك فقلت: إن العدو الشديد لا يرد بأسه وغضبه مثل الخضوع له. ألا ترون الحشيش إنما يسلم من الريح العاصفة بلينه وانثنائه حيث مالت. فغضبوا من قولي وزعموا أنهم يريدون القتال واتهموني وقالوا: إنك قد ملأت البوم علينا. وردّوا رأيي ونصيحتي وعذّبوني هذا العذاب».
فلما سمع ملك البوم ما قال الغراب قال لأحد وزرائه: ما ترى في هذا الغراب. قال: «ليس لك في أمره نظر إلا المعالجة بالقتل. فإن هذا من أعز أصحاب ملك الغربان وأقرب إليه محلاً وأفضل عنده رأياً وأشد منه خداعاً، وفي قتله لنا فتح عظيم وراحة لنا من رأيه ومكيدته، وفقده على الغربان شديد. وكان يقال: من استمكن من الأمر الجسيم فأضاعه لم يقدر عليه ثانية، ومن التمس فرصة العمل فأمكنته فأغفل عمله فاته الأمر ولم تعد إليه الفرصة. ومن وجد عدوّه ضعيفاً معوزاً فلم يسترح منه أصابته الندامة حين يبغي العدوّ ويستعد فلا يقوى عليه».
قال الملك لآخر من وزرائه: ما ترى في هذا الغراب. قال: «أرى ألا تقتله. فإن العدو الذليل الذي لا شوكة له أهل أن يرحم ويستبقى ويصفح عنه. والمستجير الخائف أهل أن يؤمّن ويجار مع أن الرجل ربما عطفه على عدوّه الأمر اليسير، كالسارق الذي عطف على التاجر امرأته بأمر لم يتعمّده».
قال الملك: وكيف كان ذلك؟

مثل النجار المخدوع وحميه

قال الوزير: زعموا أن نجاراً كانت له امرأة يحبها، وكان قد بلغه عنها أنه إذا غاب يأتيها أبوها فتفتح له بمفتاح مغشوش خزانة زوجها فيأخذ من صندوقه ما شاء من المال. فأحب أن يتيقّن ذلك فقال لامرأته: إني أريد الذهاب إلى قرية منا على فراسخ لبغض أعمال الإمارة، وأنا ماكث هناك أياماً فأعدي لي زاداً. ففرحت المرأة بذلك وهيّأت له زاداً. فلما أمسى قال لها: استوثقي من باب دارك واحتفظي ببيتك حتى أرجع إليك بعد أيام. وخرج وهي تنظر حتى جاوز الباب. ثم عطف وعاد إلى البيت من باب آخر ودخل الخزانة فاختفى تحت سرير زوجته. وأرسلت المرأة إلى أبيها أن ائتنا فقد انطلق النجار في حاجة سيغيب فيها أياماً. فأتاها أبوها فأطعمته وسقته وفتحت له صندوق زوجها فأخذ ما بدا له، وبقيا في حديثهما إلى منتصف الليل. فغلب النعاس على النجار فنام وخرجت رجلاه من تحت السرير، فرأتهما امرأته فأيقنت بالشر فسارّت أباها أن ارفع صوتك فسلني: أنا أحب إليك أم زوجك؟ ففعل أبوها كما قالت وردّت عليه: «يا أبت ما يضرّك إلى هذه المسألة؟ ألست تعلم انا معشر النساء يوم ندخل بيت زوجنا نفضله على كل من سواه حتى الأخ والوالد؟ فلحى الله امرأة لا يكون زوجها عندها كعدل نفسها، فلا سمعتك تذكره مرة أخرى».
فسمع النجار لهذه المقالة من امرأته ورقّ لها وأخذته العبرة والرحمة لها ووثق منها بالمودة، فلم يبرح مكانه كراهة أن يؤذيها، ولم يزل هناك حتى أصبح وعلم أن حماه قد خرج فخرج من تحت السرير، فوجد امرأته نائمة فقعد عند رأسها يذبّ عنها حتى إذا انتبهت قال لها: سرني جوابك لأبيك، ولولا كراهة ما يسوؤك لكان بيني وبينك صخب وأمر شديد.
وإنما ضربت لك هذا المثل إرادة ألا تكون كذلك النجار والمكذّب بصره المصدّق بما سمع من امرأته. فلا تصدقوا الغراب بمقالته واذكروا أن كثيراً من العدو لا يستطيع ضرّ عدوه بالمباعدة حتى يلتمسه بالمقاربة والمماسحة. وإني لم أخف الغربان قط خوفهم منذ رأيت هذا الغراب وسمعت مقالتكم فيه.
فلم يلتفت ملك البوم وسائر وزرائه إلى كلامه وأمر ملك البوم بالغراب أن يُحمل إلى مكانهن ويوصى به خيراً ويكرم.
فقال الوزير الذي كان يشير بقتله: «إذا لم يقتل هذا الغراب فلتكن منزلته على ذلك منزلة العدو المخوف شره، المحترس منه. فإن الغراب ذو إرب ومكايد ولا أراه لجأ إلى هاهنا إلا لما يصلح له ويفسدنا». فلم يرفع الملك بقوله رأساً ولم يمنعه من إكرام الغراب والإحسان إليه، وجعل الغراب يكلمه إذا دخل عليه بألطف ما يجد ويكلم البوم إذا خلا بهنّ كلاماً يزددن في كل يوم به ثقة، وإليه استرسالاً وبه أنساً وله تصديقاً. ثم إنه قال يوماً وعنده جماعة من البوم فيهن الوزير الذي كان يشير بقتله: «ليبلّغنّ عني بعضكم الملك بأن الغربان وترتني وترةً عظيمة بما فضحتني وعذبتني، وأنه لا يستريح قلبي أبداً حتى أدرك منهم بغيتي، وإني قد نظرت في الأمر فلم أجدني أستطيع ذلك وأنا غراب. وقد بلغني عن بعض أهل العلم أنهم قالوا: من طابت نفسه عن نفسه فأحرقها بالنار إنما يقرّب إلى الله قرباناً عظيماً ولا يدعو عند ذلك بدعوة إلى استجيبت له. فإن رأى ا لملك أن يأمرني فأحرق لأدعو ربي أن يحولني يومياً لأنتقم من عدوي وأشفي غليلي إذا تحوّلت في خلق البوم».
قال الوزير الذي كان يشير بقتله: «ما أشبّهك يا غراب في حسن ما تبدي وسوء ما تخفي إلا بالخمر الطيبة الريح، الحسنة اللون المنقع فيها السم. أرأيت لو أحرقناك بالنار كان جوهرك وطباعك يحرقان معا؟ أليس تدور حيث ما درت فتصير إلى أصلك وطباعك كالفأرة التي وجدت من الأزواج الشمس والسحاب والريح والجبل، وتركت ذلك كله وتزوجت جرذا». قيل له: وكيف كان ذلك؟..







    الوقت/التاريخ الآن هو 21/12/2014, 10:03 pm