كتاب كليلة ودمنة

شاطر

شـريـف
مؤسس المنتدى
مؤسس المنتدى

ذكر
مصر

عدد المشاركات :: 7335

تاريخ التسجيل :: 07/05/2010

قصة رد: كتاب كليلة ودمنة

مُساهمة من طرف شـريـف في 6/7/2011, 6:14 pm

مثل القرد والنجار

زعموا أن قرداً رأى نجاراً يشق خشبة بوتدين له راكباً عليها كالأسوار على الفرس، وأنه كلما أوتد وتداً نزع وتداً فقدمه. ثم إن النجار قام لبعض أموره فانطلق القرد يتكلف ما ليس من صنعته ولا من شأنه، فركب الخشبة وجعل ظهره قبل الوتد فتدلى ذنبه في ذلك الشق وعالج الوتد لينزعه. فلما انتزع انضمت الخشبة على ذنبه فخرّ مغشياً عليه. فلم يزل على تلك الحالة حتى جاء النجار فكان ما لقي القرد من صاحبه من الضرب والعذاب أشد من ذلك.
قال دمنة: قد سمعت مثلك وفهمته ولكن اعلم أنه ليس كل من دنا من الملوك إنما يدنو منهم لبطنه، إنما البطن يحشى بكل مكان، ولكن ليلتمس الرفعة والمنزل الذي يسر الصديق ويسوء العدو. وإن أدنى الناس وضعفاءهم القليلة مروءتهم هم الذين يرضون بالدون ويفرحون به، كالكلب الذي يصيب عظماً يابساً فيفرح به. فأما أهل المروءة والوفاء فلا يغنيهم القليل ولا يرضون بالدون حتى يسموا إلى ما هم له أهل، كالأسد الذي يفترس الأرنب. فإذا رأى الإتان ترك الأرنب وطلب الأتان. ألا ترى أن الكلب يبصبص بذنبه كثيراً حتى تلقى له الكسرة. أما الفيل المعترف بفضله وقوته إذا قدّم إليه علفه لم يأكله حتى يمسح ويملّق. فمن عاش غير خامل المنزلة ذا فضل على نفسه وأصحابه فهو، وإن قل عمره، طويل العمر. ومن عاش في وحدة وضيق وقلة خير على نفسه وأصحابه فهو، وان طال عمره، قصير العمر. وقد كان يقال: البائس من طال عمره في ضر. ويقال: ليعدّ من البقر والغنم من لم يكن له همّ إلا بطنه.
قال كليلة: قد عرفت مقالتك فراجع عقلك واعلم أن لكل إنسان منزلة وقدراً. فإذا كان في منزلته متماسك الحال في أهل طبقته كان حقيقاً أن يقنع ويرضى. وليست لنا من المنزلة ما نحط به حالنا التي نحن عليها.
قال دمنة: إن المنازل مشتركة، فذو المروءة ترفعه مروءته من المنزلة الوضيعة إلى المنزلة الرفيعة، والذي لا مروءة له هو يحط نفسه من المنزلة الرفيعة إلى المنزلة الوضيعة. والارتفاع من صغر المنازل إلى أشرفها شديد. ومؤونة الانحطاط من الشرف إلى الضعة سهل. وإنما مثل ذلك مثل الحجر الثقيل الذي رفعه من الأرض إلى العاتق عسير وطرحه من العاتق إلى الأرض يسير. فنحن أخوان نروم ما فوقنا من المنازل طاقتنا ونلتمس ذلك بمروءتنا، ولا نقيم على مرتبتنا هذه ونحن نستطيع ذلك.
قال كليلة: فما الذي أنت فيه الآن مجمع؟
قال دمنة: أريد أن أتعرّض للأسد عند هذه الوهلة. فإن الأسد ضعيف الرأي، وقد التبس عليه وعلى جنوده أمرهم. ولعلي على هذا الحال أدنو من الأسد بنصيحة فأصيب عنده منزلة وجاهاً.
قال كليلة: وما يدريك أن الأسد قد التبس عليه أمره؟
قال دمنة: أعرف ذلك بالرأي والحرص، فإن ذا الرأي ربما عرف باطن أمر صاحبه بما يظهر منه، حتى ربما عرف ذلك في هيئته وشكله.
قال كليلة: كيف ترجو المكانة عند الأسد ولست صاحب سلطان ولا لك علم بخدمة السلاطين ومعاشرتهم وآدابهم.
قال دمنة: إن الرجل القوي الشديد البطش لا يعيبه الحمل الثقيل، والضعيف لا تغني عنه الحيلة شيئاً ولا تضر العاقل الغربة، ولا يمتنع من المتواضع اللين الجانب أحد.
قال كليلة: فإن السلطان لا يتوخى بكرامته أفضل من بحضرته ولكنه يؤثر بذلك من دنا منه. ويقال إن مثل السلطان في ذلك مثل الكرم الذي لا يتعلق بأكرم الشجر، إنما يتعلق بمن دنا منه. فكيف ترجو المنزلة من الأسد ولست تدنو منه؟ قال دمنة: لقد فهمت ما ذكرت وأنت صادق. ولكني أعلم أن الذين هم أقرب إلى السلطان منا قد كانوا وليست لهم منازلهم. ثم دنوا منه بعد البعد فبلغوا المنازل. فأنا ملتمس بلوغ منازلهم ومكانهم جهدي بالدنو منه. وقد كان يقال إنه لا يواظب على باب السلطان أحد فيلقي عنه الأنفة ويحتمل الأذى ويكظم الغيظ ويرفق بالناس إلا وصل إلى أعلى درجة من السلطان.
قال كليلة: قد فهمت: فهبك قد وصلت إلى الأسد، فما توفيقك الذي ترجو أن تنال به المنزلة عنده والحظوة لديه؟
قال دمنة: لو قد دنوت منه عرفت أخلاقه ثم انحططت في هواه ورفقت بمتابعته وقلة الخلاف عليه. فإذا أراد أمراً هو في نفسي صواب زينته له وبصّرته ما فيه وشجعته له حتى يزداد به سروراً. وإذا أراد أمراً أخاف عليه ضرره وشَيْنَه بصّرته ما فيه من الضرر والشين، وما في تركه من النفع والزين، ودخلت عليه بالرفق واللين. فأنا أرجو أن يزداد لي الأسد بذلك خيراً وأن يرى في ذلك مني ما لم ير من غيري. فإن الرجل الأديب الرفيق لو شاء أن يبطل حقاً ويحق باطلاً أحياناً لفعل، كالمصور الماهر الذي يصور في الجدار تصاوير فترى كأنها خارجة من الجدار وليست بخارجه، وأخرى تراها كأنها داخلة وليست بداخلة فيه. فإذا أبصر الأسد فضلي وعرفه وعرف ما عندي كان هو أحرص على كرامتي وتقربي منه.
قال كليلة: أما إذا كان هذا رأيك فإني أحذرك صحبة السلطان فإن صحبته خطر عظيم. وقد قالت العلماء: في أمور ثلاثة لا يجرؤ عليها إلا الأهوج ولا يسلم منها إلا القليل، منها مصاحبة السلطان، ومنها شرب السم للتجربة، ومنا ائتمان النساء على الأسرار. وإنما شبّهت العلماء السلطان بالجبل الوعر الصعب المسلك الذي فيه كل ثمرة طيبة، وهو معدن النمور والأسد والذئاب وكل سبع مخوف، والارتقاء إليه شديد والمقام فيه أخوف. قال دمنة: صدقت فيما وصفت غير أنه من لم يركب الأهوال لم يدرك الرغائب، ومن ترك الذي لعله يبلغ فيه حاجته هيبة له ومخافة لما لعله يتوقى فليس ببالغ جسيماً. وقد قيل في أعمال ثلاثة لا يستطيعها أحد إلا بمعونة من ارتفاع الهمة وعظم الخطر: منها صحبة السلطان ومنها تجارة البحر ومنها مناجزة العدو. وقد قالت العلماء في الرجل الفاضل المروءة إنه لا ينبغي أن يُرى في مكانين ولا يليق به غيرهما، إما مع الملوك مكرّما وإما مع النساك متبتّلاً، كالفيل إنما يرغب ببقائه وجماله في مكانين، إما في بريةٍ وحشياً وإما مركباً للملوك.
قال كليلة: فخار الله لك فيما عزمت عليه. وأما أنا فإني مخالفك برأيك هذا.
ثم إن دمنة انطلق حتى دخل على الأسد وسلّم عليه. فقال الأسد لمن عنده: من هذا؟ قالوا: هذا فلان بن فلان. فقال الأسد: قد كنت أعرف أباه. فأدناه الأسد ثم قال له: أين كنت؟ فقال دمنة: لم أزل مرابطاً بباب الملك رجاء أن يحضر أمر أعين الملك فيه. فقد تكثر عنده الأمور التي ربما احتيج فيها إلى من لا يؤبه له، فإنه لا يكاد يخلو أحد، وإن كان صغير القدر والمنزلة، أن يكون عنده منفعة وإن صغرت. فإن العود المنثور في الأرض ربما انتفع به المنتفع تأكله أذنه فيحكها به. فالحيوان العالم بالضر أحرى أن يُنتفع به.
فلما سمع الأسد كلام دمنة أعجبه وظنّ أن عنده نصيحة ورأيا، فأقبل على قرابته فقال لهم: إن الرجل ذا المروءة والعلم يكون خامل المنزلة غامض الأمر، ثم تأبى مروءته وعقله ألا يتبين ويعرف كالشعلة من النار التي يصونها صاحبها وتأبى إلا ارتفاعاً.
فلما عرف دمنة أن الأسد قد أعجب به قال: أيها الملك إن رعيتك ومن بحضرتك حذروا أن يرفعوا ما عندهم إليك، ولا تنزلهم منازلهم إلى ذلك كالزرع المدفون في الأرض من الحنطة والشعير وسائر الأنواع لا يدري أحد ما أجناسها حتى تكون هي التي تخرج وتظهر. وحق على السلطان أن يبلّغ كل امرئ مرتبته على قدر نصيحته ورأيه وما يجد عنده من المنفعة والأدب. فإنه كان يقال: في أمرين لا ينبغي لأحد، وإن كان ملكا، أن يضع واحداً منهما في غير موضعه ولا يزيله في منزلته، وهما حلية الرجلين وحلية الرأس. ومن ضبّب الياقوت واللؤلؤ بالرصاص فليس ذلك مما يصغّر باللؤلؤ والياقوت ولكنها تعد جهالة ممن فعل ذلك. وكذلك يقال: لا يصحبنّ الرجل صاحباً لا يعرف ليمينه من شماله موضعاً. وإنما يستخرج ما عند الرجال ولاتها وما عند الجند قادتها وما في الدين وتأويله وعلماؤه وفقهاؤه. وقد قيل: إن أشياء ثلاثةً فضل ما بينها متضارب وإن كان يجمعها اسم واحد: فضل المقاتل على المقاتل، والعالم على العالم، والمتكلم على المتكلم. وإن كثرة الأعوان إذا لم يكونوا متحيزين مضرّة في العمل. وجاء العمل بصالح الأعوان لا بكثرتهم، كالرجل الذي يحمل الياقوت فلا يثقل عليه حمله وهو واجد به حاجته. وكذلك العمل الذي بلوغه بالرفق لا يصلحه العنف وإن استظهر به. والوالي حقيق ألا يحتقر مروءة رجل وإن صغرت منزلته. وإن الصغير ربما عظم فعظّم كالعصب يؤخذ من الميتة فيستعمل في القوس فيصير إلى حد كرامة عند الملك لحاجته إليه في القوة والبأس، ويستعمل في السروج فيصير مركباً للملوك والأشراف.







شـريـف
مؤسس المنتدى
مؤسس المنتدى

ذكر
مصر

عدد المشاركات :: 7335

تاريخ التسجيل :: 07/05/2010

قصة رد: كتاب كليلة ودمنة

مُساهمة من طرف شـريـف في 6/7/2011, 6:15 pm

مثل المصدّق المخدوع

زعموا أنه ذهب سارق حتى علا بيت رجل من الأغنياء ليلاً ومعه أصحاب له فاستيقظ صاحب البيت فأحسّ بهم، وعرف أنهم لم يعلوا ظهر البيوت تلك الساعة إلا لريب، فنبّه امرأته وقال لها رويداً، إني لأحسّ باللصوص قد علوا ظهر بيتنا فإني متناوم، فأيقظيني بصوت يسمعه مَن فوق البيت ثم نادي: يا صاحب البيت ألا تخبرني عن أموالك هذه الكثيرة وكنوزك من أين جمعتها. فإذا أبيت عليك فألحّي في السؤال. ففعلت المرأة ذلك وسألته كما أمرها واستمع اللصوص حديثهما فقال الرجل: يا أيتها المرأة قد ساقك القدر إلى رزق كثير فكلي واسكتي ولا تسألي عما لو أخبرتك به لم آمن أن يسمعه سامع فيكون في ذلك ما أكره وتكرهين. قالت المرأة: أخبرني أيها الرجل فلعمري ما يقربنا أحد يسمع كلامنا. قال: فإني أخبرك أني لم أجمع هذه الأموال وهذه الكنوز إلا من السرقة. قالت: وكيف جمعت هذه الأموال وهذه الكنوز من السرقة وأنت في أعين الناس عدل رضاً لا يتهمك أحد ولم يرتب بك.
قال: ذلك لعلم أصبته في علم السرقة فكان الأمر أوفق وأيسر من أن يتهمني أحد ويرتاب بي. قالت: وكيف ذلك؟ قال: كنت أذهب في الليلة المقمرة ومعي أصحابي حتى أعلوا ظهر البيت الذي أريد أن أسرق أهله وأنتهي إلى الكوّة التي يدخل منها ضوء القمر فأرقي بهذه الرقية (شولم شولم) سبع مرات ثم أعتنق الضوء فأنهبط به إلى البيت فلا يحس بوقعتي أحد، ثم أقوم في أصل الضوء فأعيد الرقية سبع مرات فلا يبقى في البيت مال ولا عِلق إلا بدا لي وأمكنني أن أتناوله فآخذ من ذلك ما أحببت. ثم أعتنق الضوء وأعيد الرقية سبع مرات فأصعد إلى أصحابي وأحملهم ما معي ثم ننسلّ.
فلما سمع اللصوص ذلك فرحوا فرحاً شديداً وقالوا: لقد ظفرنا من هذا البيت بما هو خير لنا من المال الذي نحن مصيبوه منه، لقد أصبنا علما أذهب الله به عنا الخوف وأمّننا من السلطان. ثم أطالوا المكث حتى استيقنوا في أنفسهم أن صاحب البيت وامرأته قد ناما، فتقدم رئيسهم إلى مدخل الضوء من الكوة ثم قال (شولم شولم) سبع مرات، ثم اعتنق الضوء لينزل به كما زعم فوقع في البيت منكّساً، ووثب الرجل بهراوة فضربه حتى أثخنه ثم قال له: من أنت؟ قال: أنا المصدق المخدوع وهذه ثمرة التصديق.
فلما تحرّزت من التصديق بما لا آمن أن يوقعني في الهلكة عدت للبحث عن الأديان والتماس العدل منها، فلم أجد عند أحد جواباً عما سألته عنه ولا فيما ابتدأني به شيئاً يحق عليّ في عقلي أن أصدق به فأتبعه. فقلت لما لم أجد ثقة آخذ منه فالرأي أن أتبع دين آبائي الذين وجدتهم عليه. فلما ذهبت ألتمس العذر لنفسي في ذلك لم أجد الثبوت على دين الآباء لي عذرا وقلت: إن كان هذا عذراً، فالساحر الذي وجد أباه ساحراً في عذر مع أشباهه، وذلك مما لا يحتمله العقل. وذكرت رجلاً كان فاحش الأكل يُعاب ذلك عليه فاعتذر بأن قال: هكذا كان يأكل آبائي وأجدادي.
فلم أجد على الثبوت على دين الآباء سبيلاً ولا في ذلك عذراً ورأيت التفرع للبحث عن الأديان مشكلاً تخوفت قرب الأجل وسرعة انقطاع الأمل، فقلت: أما أنا فلعلي أفارق الدنيا وشيكاً دون صالح الأعمال فيشغلني ترددي عن خير كنت أعمله ويكون أجلي دون بلوغ ما ألتمس به فيصيبني مثل الخادم والرجل.

مثل الخادم والرجل

زعموا أن رجلاً تواطأ مع خادم في بيت لأحد الأغنياء على أن يأتي البيت في كل ليلة يغيب صاحبه فيعطيه شيئاً من متاع سيده فيبيعه ويتشاطرا ثمنه. فاتفق ذات يوم أن غاب أهل البيت وبقي الخادم وحده فأنفذ فأخبره الرجل فأقبل. وفيما هما يجمعان المال إذ قرع الباب وعاد رب البيت على بغتة. وكان للبيت باب آخر لم يكن يعلمه الرجل وبقربه جبّ ماء. فقال الخادم للرجل: أسرع واخرج من الباب الذي عند الجب.
فانطلق الرجل ووجد الباب لكنه لم يجد الجب فرجع إلى الخادم وقال له: أما الباب فوجدته، وأما الجب فلم أجده. فقال الخادم: ويحك انجُ بنفسك ولا تكترث للجبّ. قال الرجل: كيف أذهب وقد خلطت عليّ فذكرت الجب وليس هناك. قال الخادم: دع عنك الحمق والتردد وفرّ عاجلاً. فلم يزل ينازعه حتى دخل رب البيت فأخذه وأوجعه ضرباً ثم دفعه إلى السلطان.
فلما خفت من التردد والتجوال رأيت أن لا أتعرض لما خفت من ذلك وأن أقتصر على كل عمل تشهد الأنفس على أنه صحيح وتوافق عليه الأديان. فكففت يدي عن الضرب والقتل والغضب والسرقة والخيانة وحصّنت نفسي من الفجور وحفظت لساني من الكذب ومن كل كلام فيه ضرر على أحد، وكففت لساني عن الشتم والعضيهة والخنا والبهتان والغيبة والسخرية.
والتمست من قلبي بأن لا أتمنى لأحد سوءاً ولا أكذب بالبعث والقيامة الثواب والعقاب. وزايلت الأشرار بقلبي ولزمت الصلحاء والأخيار جهدي. ورأيت الصلاح ليس كمثله صاحب ولا قرين ورأيت مكسبه إذا وفّق له وأعان عليه يسيراً ووجدته أحنّ على صاحبه وأبرّ من الآباء والأمهات. ووجدته يدل على الخير ويشير بالنصح فعل الصديق بالصديق، ووجدته لا ينقص إذا أنفق منه صاحبه بل يزداد على الاستعمال والابتذال جدة حسنة. ووجدته لا خوف عليه من السلطان أن يسلبه ولا من شيء من الآفات، لا من الماء أن يغرّقه ولا من النار أن تحرقه ولا من اللصوص أن تسرقه ولا من شيء من السباع وجوارح الطير أن تمزقه. ووجدت الرجل الذي يزهد في الصلاح وعاقبته ويلهيه عن ذلك قليل ما هون فيه من حلاوة العاجل، إنما مثله فيما أنفذ فيه أيامه ويلهيه على ما ينفعه كمثل التاجر والضارب بالصنج.

مثل العلجوم والحية

قال أبو الخب: زعموا أن علجوماً جاورته حية وكان إذا أفرخ العلجوم ذهبت الحية إلى عشه فأكلت فراخه. وكان العلجوم قد وافقه مكانه فلم يستطع تركه وحزن لما لقي من الحية. ففطن لذلك سرطان دنا منه فسأله: ما يحزنك؟ فأخبره ما لقي. فقال له السرطان: أفلا أدلك على أمر تستفي به من الحية. قال: وما ذلك؟ فأومأ السرطان إلى جحر قبالته فقال: أترى ذلك الجحر؟ فإن فيه ابن عرس وهو عدو للحيات. فاجمع سمكاً كثيرا ثم ضع شيئاً منه عند جحر الحية إلى جحر ابن عرس. فإن ابن عرس يأكل من السمكات الأول فالأول حتى ينتهي إلى جحر الحية فيقتلها. ففعل العلجوم ذلك وانتهى ابن عرس إلى الحية فقتلها. ثم جعل يرجع إلى ذلك المكان للعيادة يلتمس طعاما حتى وقع على عش العلجوم لقرب جواره من جحر الحية فأكل العلجوم وفراخه.
وإنما ضربت لك هذا المثل لتعلم أن من لم يتثبت في حيلته ويدبرها أوقعته في أشد ما يحتال لغيره. قال الخب: قد سمعت هذا المثل فلا تهابنه لأنه أيسر أمراً مما تظن. فتابع الشيخ ابنه وانطلق إلى الشجرة فدخل فيها، وغدا القاضي والخب والمغفل إلى الشجرة وسألها القاضي: هل عندك شهادة؟ فأجابه الشيخ من جوف الشجرة أن نعم، المغفل صاحب الدنانير. فاشتد عجب القاضي واستنكره وجعل ينظر ويتفطن، هل طاف بالشجرة أحد. وبصر بذلك الجوف فنظر فيه فلم ير شيئاً لأن الرجل قد كان ارتفع عن المكان الذي تناله فيه العين. فأمر القاضي بالحطب فجمع، ودعا النار فدخّن في ذلك الجوف وتصبّر أبو الخبر ساعة ثم نزل به الجهد فصاح ونادى واستغاث. فأمر القاضي فأخرج بعد ما أشرف على الموت. فعوقب الخب ثم غرّم ثم انقلب بأبيه على ظهره ميتاً وانطلق المغفل بالدنانير. وإنما ضربت لك هذا المثل لتعلم أن صاحب المكر والخديعة ربما كان هو المغبون. وأنت يا دمنة جامع للخب والخديعة والعجز من ثمرة مكرك هذا الذي ترى، مع أنك لست بناج من العقوبة. وكذلك تكون عاقبة أمر من كان مثلك، فإنك ذو وجهين ولسانين. وإنما عذوبة ماء الأنهار ما لم تنته إلى البحور، وصلاح أهل البيت ما لم يفسد بينهم مفسد، وبقاء الإخاء بين الأخوان ما لم يدخل بينهم ذو لسانين. فإن ذا اللسانين ليس شيء أشبه منه بالحية لأن الحية ذات لسانين، ويجري من لسانك بينهم كسمّها. ولم أزل لذلك السم من لسانك خائفاً مشفقاً أن يعرّني بشيء كارهاً لقربك، ذاكراً الموعظة قرابة وصحبة ومواصلة. فإن الفاجر من الأصحاب كالحية يربيها صاحبها ويمسحها ثم لا يكون له منها إلا اللسع. وكان يقال: الزم ذا العقل والكرم واسترسل إليه وإياك وفراقه، ولا بأس عليك أن تصحبه وإن كان غير محمود الخلقة. ولكن احترس من شين أخلاقه وانتفع بكرمه وانفعه بعقلك، وفرّ الفرار كله من اللئيم الأحمق. وإني بالفرار منك والاجتناب لك لجدير. وكيف يرجو أحد غيرك وفاء وكرماً وقد صنعت لملكك الذي أكرمك وشرّفك ما صنعت. بل مثلك في ذلك مثل التاجر القائل: إن أرضاً يأكل جرذها مئة منّ حديداً غير مستنكر فيها أن تختطف بزاتها الفيلة.
قال دمنة: وكيف كان ذلك؟







شـريـف
مؤسس المنتدى
مؤسس المنتدى

ذكر
مصر

عدد المشاركات :: 7335

تاريخ التسجيل :: 07/05/2010

قصة رد: كتاب كليلة ودمنة

مُساهمة من طرف شـريـف في 6/7/2011, 6:16 pm

مثل الخبّ والمغفل

قال كليلة: زعموا أن خباً ومغفلاً أصابا في طريق بدرة فيها ألف دينار، وكانا شريكين في تجارة. فبدا لهما أن يرجعا إلى منازلهما. فلما دنوا من مدينتهما قعدا لاقتسام الدنانير. فقال المغفل للخب: خذ نصفها واعطني النصف. وكان الخب قد وطّن نفسه على أن يذهب بها كلها. فقال: لا نقتسمها، فإن الشركة والتفاوض أقرب إلى المخالصة والصفاء. ولكن خذ منها نفقة وآخذ أنا مثلها وندفن البقية في مكان حريز، فإذا احتجنا إلى النفقة جئنا جميعاً فأخذنا حاجتنا. قال المغفل: نعم. فأخذا من الدنانير شيئا يسيرا ودفنا البقية في أصل شجرة عظيمة من شجر الدوح. ثم إن الخبّ خالفه إلى الدنانير وأخذها وسوّى الأرض على موضعها. فقال المغفل بعد ذلك بأشهر للخب: قد احتجنا إلى نفقة فانطلق بنا إلى الدنانير نأخذ منها نفقة. فانطلقا جميعا حتى أتيا الشجرة فاحتفرا المكان الذي كانت فيه الدنانير فلم يجدا فيه شيئاً، فأقبل الخب على شعره وينتفه وعلى صدره يضربه وصاح وقال: لا يثقنّ أحد بأحد ولا يغترّن بأخ ولا صاحب. خالفت إلى الدنانير فأخذتها. فجعل المغفل يتنصّل ويلعن، ولا يزداد الخب إلى شدة عليه فيقول له: من أخذها غيرك؟ هل شعر بنا أحد سوانا؟
ثم إن الخب أخذ المغفل فانطلق به إلى القاضي فاقتص عليه قصته وزعم أن المغفل هو الذي أخذ الدنانير. فقال له القاضي: هل لك بيّنة؟ قال الخب؟ نعم تشهد لي الشجرة التي كانت الدنانير في أصلها. فعجب القاضي من ادعائه شهادة الشجرة وأنكر ما قال فأمر به أن يكفل نفسه. وقال للكفيل: وافني به غدا ليطلعنا على ما ادعى من شهادة الشجرة.
فانصرف الخبّ إلى بيته فقصّ على أبيه القصة وقال: يا أبت إني لم أستشهد الشجرة لما كنت رأيت فيها وإنما اتكلت عليك فيما ادعيت به. فإن شئت فقد أحرزنا الدنانير وكسبنا مثلها من قبل المغفل. قال أبو الخب. وما ذلك الذي تأمرني به: قال الخب: إني قد توخيت بالدنانير شجرة عظيمة من شجر الدوح جوفاء فيها مدخل لا يُرى فدفنتها في أصلها فخالفت إليها فأخذتها وادعيت على المغفل زوراً. فأنا أحب أن تذهب الليلة فتدخل في ذلك المكان، فإذا جاء القاضي فسأل الشجرة شهادتها تكلمت من جوفها وقالت: المغفل أخذ الدنانير. قال أبو الخب: يا بني إنه رُبّ متحيل أوقعته حيلته في شر فإياك أن يكون تمحلك شبيهاً بتمحل العلجوم. قال الخب: وكيف كان ذلك يا أبت؟

مثل الشريك المحتال

يقال أنه كان رجل تاجر وله شريك فاستأجرا حانوتاً وجعلا فيه متاعهما، وكان أحدهما قريب المنزل إلى الحنانوت فأضمر في نفسه أن يسرق عِدلا من أعدال رفيقه. وفكّر في الحيلة في ذلك، وقال: إن أتيت ليلاً لا آمن أن أحمل عدلا من أعدالي أو رزمة من متاعي ولا أعرفها فيذهب عنائي وتعبي باطلا. واخذ رداءه وألقاه على العِدل الذي أضمر أخذه ثم مضى إلى منزله.

فجاء شريكه بعد ذلك ليصلح أعداله، فقال: "والله هذا رداء صاحبي ولا أحسبه إلا قد نسيه، وأما الرأي فأن لا أعده ها هنا بل أجعله على أعداله فلعله يسبقني إلى الحانوت فيجده حيث يحب. ثم ألقى الرداء على عدل من أعداله وقفل الحانوت وانصرف.

فلما كان الليل جاء رفيقه ومعه رجل قد واطأه على ما عزم عليه وضمن له جعلا على حمله، فصار إلى الحانوت والتمس الرداء في الظلمة فوجده على أحد الأعدال فاحتمله بعد الجهد الجهيد حتى أخرجه هو والرجل. ولم يزالا يتراوحان على حمله حتى أتيا به منزله ورمى نفسه تعباً. فلما أصبح نظر فإذا هو بعض أعداله فندم أشد الندم. ثم انطلق نحو الحانوت فوجد رقيقه قد سبقه وفتح الباب وتفقد العِدل فلم يجده، فاغتمّ لذلك غمّاً شديداً، وقال: واسوأتاه من رفيقي الصالح الذي ائتمنتني على ماله وخلّفني وانصرف، ماذا يكون حالي عنده ولا شك في تهمته إياي. ثم أتى رفيقه فوجده مغتمّاً فسأله عن حاله فقال له: إني قد فقدت عِدلاً من أعدالك ولا أعلم سببه ولا أشك تهمتك إياي، وإني قد وظّنت نفسي على غرامته.

فقال له: لا تغتمّ يا أخي، فإن الخيانة شر ما عمله الإنسان. والمكر والخديعة لا يؤديان إلى الخير وصاحبهما مغرور أبدا، وما عاد وبال البغي إلا على صاحبه. وأنا أحد من مكر وخدع واحتال. فقال له رفيقه: وكيف كان ذلك؟ فأخبره بأمره وقص عليه قصته، فقال له صديقه: ما كان مثلك إلا كمثل اللص المخدوع والتاجر. قال: وكيف كان ذلك؟

مثل اللص المخدوع

قال: زعموا أنه كان تاجر في منزله خابيتان، إحداهما مملوءة حنطة والأخرى مملوءة ذهبا. فترقبه بعض اللصوص زماناً، حتى إذا كان في بعض الأيام تشاغل التاجر عن المنزل في بعض أشغاله فتغفله اللص ودخل المنزل وكمن في بعض نواحيه. فما همّ بأخذ الخابية التي فيها الدنانير أخذ التي فيها الحنطة فاحتملها. ولم يزل في كد وتعب حتى أتى منزله. فلما فتحها وعلم ما فيها ندم.

فقال له الخائن: ما بعّدت المثل ولا تجاوزت القياس وقد اعترفت بذنبي، غير أن النفس الردئية تأمر بالفحشاء. فقبل الرجل معذرته وأضرب عن توبيخه وعن الثقة به، وندم هو عندما عاين سوء فعله وتقدم جهله.

وقد ينبغي للناظر في كتابنا هذا أن لا يجعل غايته التصفح لتزاويقه، بل ليشرف على ما تضمن من الأمثال حتى يأتي على آخره ويقف عند كل مثل وكلمة ويعمل فيها رويته.

مثل الأخ الصغير والمُحسن إلى أخويه

ويكون كأحد الإخوة الثلاثة الذي خلّف لهم أبوهم المال الكثير فتنازعوه بينهم. فأما الاثنان الكبيران فإنهما أسرعا في إتلافه وإنفاقه في غير وجهه. وأما الصغير فإنه عندما نظر إلى ما صار إليه أخواه من إسرافهما وخلوّهما من المال، أقبل على نفسه يشاورهما وتفكر في سر تصرف أخويه وقال: يا نفس إنما المال يطلبه صاحبه ويجمعه في كل وجهٍ لبقاء حاله وصلاح دنياه وشرف منزلته في أعين الناس واستغنائه عما في أيديهم وصرفه في وجهه من صلة الرحم والإنفاق على الولد والإفضال على الإخوان. فمن كان له مال ولا ينفقه، كان كالذي يعد فقيراً وإن كان موسراً. وإن هو أحسن إمساكه والقيام عليه، لم يعدم الأمرين جميعاً من دنيا تضاف إليه وحمدٍ يبقى عليه. ومتى قصد على حسرة وندامة.

وليكن الرأي في إمساك هذا المال بأن أعين أخويّ وينفعني الله تعالى به، وإنما هو مال أبي وأبيهما، وإن أولى الإنفاق صلة الرحم وإن بعدت فكيف بأخوي.

وكذلك يجب على قارئ هذا الكتاب أن يديم النظر فيه ويلتمس جواهر معانيه ولا يظن أن مغزاه إنما هو الإخبار عن حيلة بهيمتين أو محاورة سبع لثور، فينصرف بذلك عن الغرض المقصود، ويكون مثله مثل الصياد والصدقة.

مثل الصياد والصدَفة

كان صياد في بعض الخلجان يصيد ذات يوم في الماء إذ أبصر صَدَفةً فتوهمها شيئاً، فألقى شبكته فاشتملت على سمكة كانت قريبا منها فخلاها وقذف نفسه في الماء ليأخذ الصدفة. فما أخرجها وجدها فارغة فندم على ما في يده وتأسف على ما فاته. ولما كان في اليوم الثاني تنحى عن ذلك المكان ورمى شبكته فأصاب حوتاً صغيراً فحاول أخذه ورأى أيضاً صدفة سنيّة فلم يلتفت إليها وساء ظنه بها وتركها. فاجتاز بعض الصيادين بذلك المكان فرآها وأخذها فوجد فيها درة تساوي مبلغاً وافراً.

وكذلك الجهال على إغفال أمر التفكّر والاغترار في أمر هذا الكتاب وترك الوقوف على أسرار معانيه والأخذ بظاهره دون الأخذ بباطنه. فقد قالت العلماء: إن مثل هذا الرجل الذي يظفر بعلم الفلسفة ويصرف همه إلى ابواب الهزل، كرجل أصاب روضة هواؤها صحيح وتربتها طيبة فزرعها وسقاها حتى إذا قرب خيرها وأينعت، تشاغل عن ثمرها بجمع ما فيها من الزهر وقطع الشوك فأهلك بتشاغله ما كان أحسن فائدة وأجمل عائدة.

وينبغي للناظر في هذا الكتاب ومقتنيه أن يعلم أنه ينقسم إلى أربعة أقسام وأغراض: أحدهما ما قصد من وضعه على ألسن البهائم غير الناطقة ليتسارع إلى قراءته واقتنائه أهل الهزل من الشبان فيستميل به قلوبهم، لأن هذا هو الغرض بالنوادر من الحيوانات. والثاني إظهار خيالات الحيوانات بصنوف الألوان والأصباغ ليكون أنساً لقلوب الملوك ويكون حرصهم أشد للنزهة في تلك الصور. والثالث أن يكون على هذه الصفة فيتخذه الملوك والسوقة فيكثر بذلك انتساخه ولا يبطل، فيخلق على مرور الأيام بل ينتفع بذلك المصور والناسخ أبدا.

والغرض الرابع، وهو الأقصى، وذلك يخص الفيلسوف خاصة، أعني الوقوف على أسرار معاني الكتاب الباطنة.







شـريـف
مؤسس المنتدى
مؤسس المنتدى

ذكر
مصر

عدد المشاركات :: 7335

تاريخ التسجيل :: 07/05/2010

قصة رد: كتاب كليلة ودمنة

مُساهمة من طرف شـريـف في 6/7/2011, 6:16 pm

باب الفحص عن أمر دمنة

قال الملك للفيلسوف: قد سمعت حديثك في محال العدو المحتال كيف أفسد اليقين بالشبهة حتى أزال المودة وأدخل العداوة، فحدثني إن رأيت كيف اطلع الأسد على ذنب دمنة حتى قتله وكيف كانت معاذيره ومدفعه عن نفسه.

قال بيدبا الفيلسوف: إنا وجدنا في كتب خبر دمنة أن الأسد لما قتل شتربة ندم على معالجته بالقتل وتذكر حرمته. وكان من جنود الأسد وقرابته نمر كان من أكرم أصحابه عليه، وأخصّم عنده منزلة، وأطولهم به خلوة بالليل والنهار. وكان الأسد بعد قتله شتربة يطيل مسامرة أصحابه ليقطع عنه بحديثهم بعض ما قد داخله من الكآبة والحزن بقتله الثور. وإن النمر لبث في سمره ذات ليلة حتى مضت هدأةٌ من الليل. ثم خرج من عنده منصرفا إلى منزله. وقد كان منزل كليلة ودمنة قرب منزل الأسد فدنا النمر من منزلهما ليصيب قبساً يستضيء به وكانا مترافقين.

فسمع النمر محاورتهما ونصت لهما حتى سمع كلامهما كله، ووجد كليلة قد أقبل على دمنة يعذله ويقبّح له رأيه وفعله ويعظّم له جرمه ويوبّخه بغدره. وكان فيما أنبه به أن قال: إن الذي هيجت بين الأسد والثور من العداوة بعد المودة والفرقة بعد الألفة والشحناء بعد السلامة بسخافة عقلك وقلة وفائك لمظهر أمرك ومطلع طلعه، ولازمك من بغيه ما تستوبل عاقبته وتستمر مذاقته. فإن الغدر وإن لان عاجلُه واستحليت فروعه مرّ العاقبة بعيد المهواة وخيم المزلقة، وإني باجتنابك وترك مقارنتك والاقتداء بك لحقيق، فلست بآمن على نفسي من معرّتك وشرهك وغدرك. وقد قالت العلماء: اجتنب أهل الريبة لئلا تكون مريباً. فإني تارك مقارنتك ومتباعد منك ومغترب عنك لسوء أخلاقك التي بها أنشبت العداوة بين الملك ووزيره الناصح المأمون، فلم تزل بتشبيهك وتمويهك بالباطل حتى حملته على القسوة وأورطته الورطة فقتله مظلوماً بريئاً.

قال دمنة: قد وقع من الأمر ما لا مردّ له فدع تضييق الأمور عليّ وعلى نفسك فإني سأعمل في التغييب عن موقع الأمر في نفس الأسد. فقد كرهت ما مضى مني. والحسد والحرص حملاني على ما صنعت.

فلما سمع النمر ذلك من كلامهما انصرف خفيّاً مسرعاً حتى دخل على اللبوءة أم الأسد فأخذ عليها عهداّ ألا تفشي سرّه إلى الأسد ولا إلى غيره. فعاهدته على ذلك فأخبرها بالقصة على وجهها من قول كليلة وإقرار دمنة.

فلما أصبحت أم الأسد أقبلت حتى دخلت على الأسد فوجدته مكتئباً حزيناً لقتله شتربة فقالت: إن حزنك غير رادّ عليك مدبراً ولا سائق إليك نفعاً، وأنت غنيّ عن أن تجعله للبلاء عوناً عليك فتضعف به فؤادك وتنهك به جسمك وتحمل به المضرة على نفسك، وأنت بحمد الله بتحصيل الأمور رفيق بصير بصادرها وواردها. فإن علمت أن لك في الحزن فرجاً فحمّلنا منه مثلما أنت فيه. وإنت علمت أن لك في الحزن فرجاً فحمّلنا منه مثلما أنت فيه. وإنت علمت أنك لا تُرجع به مدبراً ولا تسوق به إليك نفعاً فارغب عنه وانظر فيما يعود عليك نفعه. وإن اعتبار ما بلغك عن شتربة حتى يصحّ لك حقيق ذلك من باطله ليسير.
فقال الأسد: فكيف لي بذلك؟

قال أم الأسد: إن العلماء قد قالوا من أراد أن يعرف محبه من مبغضه وعدوه من صديقه فليعتبر ذلك من نفسه. فإن الناس على مثل ذلك له كما هو عليه لهم وإن أقنع ما شهد على امرئ نفسه. فلنا من قولك دليل على أن قلبك يشهد عليك بأنك عملت ما عملت بغير علم ولا يقين. وذلك فاعلم أنه رأس الخطأ. ولو كنت حين بلغك عن الثور ما بلغك كففت نفسك وملكت غيظك ثم عرضت ما بلغك عنه على قلبك بحسن النظر لاكتفيت بقلبك دليلاً على تكذيب ما أتاك عنه، لأن القلوب تتكافأ فيما يتلاقى بعضها من بعض في سرّها وعلانيتها. فقس أمرك وأمر الثور بموقع أمر كان في نفسك جنايته وموقعه اليوم بعد موته.

فقال الأسد: لقد أكثرت الفكر وحرصت على التجني على الثور بعد قتلي إياه لعلي آخذه في ذنب واحد كان فيما بيني وبينه أقوّي به تهمتي فما يزداد ظني به إلا حسناً وله وداً. ولست أتذكّر منه شرارة خلق أقول هي حملته على أن ابتدأني بالحسد ولا نقص رأي أتهمه به على طلب مغالبتي، ولا أتذكر مني إليه أمراً سيئاً أرى أنه دعاه إلى عداوتي. فإني أحب أن أفحص عن أمره وأبالغ في البحث عنه وإن كنت أعرف أن ذلك غير مصلح ما فرط مني. ولكني أحب أن أعرف موقعي الذي أنا عليه فيما صنعت من الخطأ أو الصواب. فأخبريني هل سمعت من أمره شيئاً تذكرينه لي.

قالت أم الأسد: نع قد بلغني أمر استكتمنيه بعض أهلك. ولولا ما قالت العلماء في إذاعة السر والتضييع للأمانات وأنت تترك ما لا نفع فيه وما منجى لأخبرتك بما علمت.

قال الأسد: إن العلماء لأقاويلهم وجوه كثيرة ومعان مختلفة وأحوال متصرفة، وليس في كل الوجوه أمر بالكتمان ولكل أمر موضع وخبر. فإذا كان في موضعه صلح العمل به ونفع، وإن كان في غير موضعه ضر وأفسد. فمما تعظم مضرّته ولا يرضى استقالته كتمان ما ينبغي له أن يعلن عذراً في إسراره ولا سعة في السكوت عنه. فإني أرى أن مطلعك عليه قد ألقى على نفسك وزره وحمّلك خيره وشرّه وأنت حقيقة بإظهاره، وحمله الوجل على نفسه من كتمانه، فألقي ما استودعت منه عنك بإفشائه إليّ وإظهاره.

قالت أم الأسد: قد عرفت الذي قلت وإنه كما قلت وإن كان في ما ذكرت ما يحملن يعلى كثير من الكلام لعلمي بموقع هذا الأمر في نفسك. فلا أراك إن كنت على ما أرى من الرأي أن يمنعك من العزم والمبالغة في نكال أهل الجريمة والغدر في اعتقاد الألفة والثقة والتصديق. فحدثني إن كان في نفسك مني حرج.

قال الأسد: ما في نفسي حرج ولا أنتِ عندي نمّامة ولا أنا في نصحك مرتاب ولا أرى عليك في ذلك من ضرر في إفشاء ذلك الأمر إليّ.

قالت أم الأسد: بل ضرر منه عليّ في خلال ثلاث: أما واحدة فانقطاع ما بين وبين صاحب هذا السر من المودة لإباحتي بسره، وأما الأخرى فخيانتي لما استُحفظت من الأمانة، وأما الثالثة فوجل من كانوا يسترسلون إلي قبل اليوم مني وقطعهم أسرارهم عني.
قال الأسد: الأمر على ما قلت وما أنا عمّا كرهت بالمفتش، وما يختلج في صدري الارتياب بنصحك، فأخبرني بجملة الأمر إن كرهت أن تخبريني باسم صاحب السر ما أسرّ إليك منه.

فأخبرته بجملة ذلك الحديث ولم تسمّ من ذكره لها. وكان فيما قالت أن قالت: إنه لا ينبغي للولاة والرؤساء استبقاء الخونة الفجرة أهل الغدر والنميمة والمحال والإفساد بين الناس بفساد صلاحهم. وأول من نفى عن الناس من يفسدهم وساق إليهم من يصلحهم القادة المتولّون لأمورهم. وأنت بقتل دمنة حقيق، فإنه قد كان يقال: إن إفساد أجلّ الأشياء من قبل خصلتين: إذاعة السر وائتمان أهل الغدر. وإن الذي أنشب العداوة بينك وبين شتربة أنصح الوزراء وخير الإخوان حتى قتلته غدر دمنة وجهالته ومكره وخيانته. وقد اطلعت على مكنونه وبدا لي ما كان يُخفي عليك وعلمته نحو ما كان يذكر من حديثه إياك قبل اليوم. فالراحة لك ولجندك وإن ظهر منه ما كان يكتم وعلن منه ما كان يبطن بقتله، فاقتله عقوبة لجريمته وإبقاءً على جندك فيما يُستقبل من شرّه. فإنه ليس على مثلها إن انتعش بمأمون. ولعلك أيها الملك أن ترْكن إلى ما أُمر به الملوك من العفو عن أهل الجريمة. فإن رأيت ذلك فاعلم أنه ليس في من بلغ جرمه جرم دمنة لأنه لا ذنب له أكثر مما جنى دمنة علانية وسراً بخلابته ومكره وتحميل الملك على البريء من وزرائه السليم صدره الناصح جيبه، حتى انطوى منه على حسده وقتله على شبهة.

ثم قالت: إني لست أجهل قول العلماء لتعظيم الفضل في العفو عن أهل الجرائم. ولكن الفضل في ذلك إنما هو دون النفوس أو جناية العامة التي يقع فيها الشين وتحتج بها السفهاء عندما يكون من أعمالهم السيئة واستعد بها الملك بالأمر الذي يضل خطره فيه إن كان إلى العامة.

فأمر الأسد أمه بالانصراف عنه وبعث حين أصبح إلى جنوده فأُدخل عليه وجوههم. فأرسل إلى أمه فحضرت المجلس ثم دعا بدمنة فأُتي به. فلما أقام بين يديه قلب الأسد يده بالتميثل به. فلما رأى دمنة ذلك أيقن بالهلكة فالتفت إلى بعض من يليه فقال له بصوت خفيّ: هل حدث من حديث أحزن الملك أو هل كان شيء جمعكم له كما أرى؟

قال دمنة: ما أرى الأول ترك للأخير مقالاً في شيء من معاريض الأمور. وقد جرى في بعض ما يقال أنّ أشدّ الناس اجتهاداً في توقي الشر أكثرهم فيه وقوعاً، ولا يكون للملك وجنوده المثل السوء. وقد علمت أن ذلك إنما قيل في صحبة الأشرار. إنه من صحبهم وهو يعلم عملهم لم ينجّه من شرورهم توقيه إياها. ولذلك انقطعت النساك بأنفسها واختارت الوحدة في الجبال على مخالطة الناس وآثرت العمل لله على العمل لخلقه لأنه ليس أحد يجزي بالخير خيراً إلى الله. فأما من دونه فقد تجري أمورهم على فنون شتى يكون مع ذلك في أكثرها الخطأ. وما أحد بأحق بإصابة الصواب من الملك الموفّق الذيا لا يصانع أحداً لحاجة به إليه ولا لعاقبة يتخوّفها منه. وإن كان أحق من ذلك من عظمت فيه رغبة الملوك من محاسن الصواب فمكافأة أهل البلاء الحسن عندهم. وما بلاء أبين حسناً من نصيحة. ولقد علم وعلمت وعلم جميع من حضر أنه لم يكن بيني وبين الثور أمر أضطغين عليه فيه حقداً ولا أبغي له غائلة، وما كان بذلك من ضرّ ولا نفع. ولكني نصحت الملك فيه وأعلمته ما اطلعت عليه من أمره حتى أبصر مصداق ما ذكرت له وكان فيه أفضل رأياً وأشد حزماً وعزماً. ولقد أعرف أنه قد تخوّف مثلها مني غير واحد من أهل الغش والعداوة فنصبوا نصبي وأجمعوا على طلب هلاكي. وما كنت أتخوّف أن يكون جزائي على النصيحة وحسن البلاء أن يحزن الملك على تركه إياي حيّاً.
فلما سمع الأسد قول دمنة قال: أخرجوه عني وادفعوه إلى القضاء، فليفتشوا عن أمره، فإني لست أحبّ أن أحكم على محسن ولا مسيء إلا بظهور وجه الحق والعدل.

فسجد دمنة للأسد ثم قال: أيها الملك إنه ليس أكشف للعمى ولا أوضح للشبهة ولا أشد استخراجاً لغامضات الأشياء من الاجتهاد والمبادرة فيما يصاب به ذلك. وقد علمت أيها الملك أن النار تكون مستكنّة في الشجر والحجارة فلا تخرج ولا تصاب منفعتها إلا بالعمل والطلب. ولو كنت مجرماً لتخوّفت التكشّف عن جرمي كما قد أصبحت لعلمي ببراءتي، أرجو أن يخرج الفحص والتكشف صحة أمري. وكذلك كل شيء طابت رائحته أو نتنت فاليوم يزيده فووحاً وظهوراً. ولو كنت أعرف مع ذلك لنفسي ذنباً أو جرماً لوجدت في الأرض مذهباً ولما لزمت باب الملك أنتظر ثواب عملي. ولكني أحب أن يأمر الملك من يلي الفحص عن أمري أن يرفع إليه في كل يوم ما يكشف من عذري وبراءتي ليرى فيّ رأيه ويعارض بعض أمري ببعض ولا يعمل في أمري بشبهات أهل البغي والعداوة، فإن الذي رأى الملك من تشبيههم عليه ما قد استبان من عداوة الثور لجدير أن يمنعه من الإقدام على قتلي بعد الذي علم من نصيحتي وحوطتي عليه ومن رأيه الذي قد علمه الملك من منزلتي في نفسي من خساسة الحال وصغر الخطر. وإني لست أستطيع أن أدفع نفسي عن نسبة العبودية ولا أطمع فيما يطمع فيه من فوقي. فإني وإن كنت عبد الملك فإن لي من عدله نصيباً أعرف أن الملك معطينيه من نفسي في حياتي وبعد موتي. فإن كان الملك أجمع على دفعي إلى من يبحث عن أمري وينظر في براءتي فإني أرغب إلى عدله ولا يغفل أمري وأن يأمر برفع معاذيري إليه يوماً بيوم. فإن كان الملك للبلاء المقدور عليّ وقلة استطاعتي لامتناع من القدر غير متروّ في أمري ولا متبحّث عن شأني ولا صارف العقوبة عني لقول أهل الشرارة والمحال على غير ذنب سلف مني، فلم يبق لي ناصرٌ ألجأ إليه إلا الله فإنه كاشف الكرب. وقد قالت العلماء: إنه من صدّق فيما يشبّه عليه بما ينبغي الشك فيه وكذّب بما ينبغي أن يصدّق فيه أصابه ما أصاب المرأة التي بذلت بمالها لعبدها بتشبيهه عليها.

قال الأسد: وكيف كان ذلك؟







شـريـف
مؤسس المنتدى
مؤسس المنتدى

ذكر
مصر

عدد المشاركات :: 7335

تاريخ التسجيل :: 07/05/2010

قصة رد: كتاب كليلة ودمنة

مُساهمة من طرف شـريـف في 6/7/2011, 6:17 pm


مثل المرأة والمصوّر والعبد

قال دمنة: زعموا أنه كان بمدينة باثرون في أرض تدعى كشمير تاجر يدعى حبلاً وكانت له امرأة ذات حيلة ودهاء تختلس من ماله فتبيعه لشؤونها. وكان إلى جانب بيتها مصوّر ماهر بالتصاوير يواطئها على اختلاس المال. فقال المرأة للرجل في بعض أحيانه التي كان يأتيها فيها: إن استطعت أن تحتال بصناعة اطّلع بها على مجيئك إذا جئتني بالليل من غير نداء ولا رمي ولا شيء يرتاب به يكون رفق ذلك بي وبك. فقال المصور: عندي في ذلك من الحيل ما يسرّك، وهو أن عندي ملاءة بتهاويل الصور، وجهها الواحد شبيه باليقق الأبيض الشبيه بضوء القمر، والوجه الآخر حالك السواد شبيه بالظلمة الحندسية منظراً. فبياضها يدعوك في الليلة الظلماء بضوئه وسوادها يبدو لك في الليلة المقمرة، فقال: إذا رأيتها فاعلمني أني صاحبك فتأتيني بالمال دون نداء. فدخل عبد للتاجر وهما يتفاوضان في ذلك فسمع قولهما، فأراد أن يصيب شيئاَ من المال المختلس. فلما كان بعد ذلك وكان العبد صديقاً لأمة المصور طلب إليها أن تعيره الملاءة ليريها صاحباً له ويسرع إلى ردها. فأعطته الملاءة فلبسها ولقي المرأة على نحو ما كان يأتيها المصور. فلما رأته لم ترتب بشيء من شأنه فبذلت له حصة من المال ثم رجع العبد بالملاءة إلى الأمة فوضعتها في موضعها. وكان المصور عن بيته غائباً. فلما مضت هدأة من الليل رجع المصور إلى بيته ولبس الملاءة وأتى بها المرأة. فلما رأت الملاءة دنت منه فقالت: ما شأنك أسرعت راجعاً وقد أخذت المال في أول الليل. فلما سمع المصور كلامها خبت نفسه وانصرف نحو منزله، ثم دعا جاريته فتوعّدها بالضرب فأخبرته بالأمر على وجهه، فأحرق المصور الملاءة وندم على صنعه إياها.

وإنما ضربت لك هذا المثل أيها الملك لتعلم أن الشبهة كذب وأن الكذب يعيب صاحبه. ولست أنت حقيقاً بقتل البريء ذي الصحبة لوشي الوشاة وتحامل الخونة عليه. ولست أقول أيها الملك هذا كراهة للموت فإنه، وإن كان كريهاً، فلا منجى منه، وكل حي ميت. ولو كانت لي مائة نفس وأعلم أن رضا الملك في إتلافهن لطلبت له بهن نفساً. فإن ظننت أيها الملك أن لك بقتلي روحاً وفرجاً فإن العلماء قد قالوا: من اقترف خطيئة أو ذنباً فأسلم نفسه للقتل تكفيراً عن إئمه عفا الله عنه ونجا من الشرّ في الآخرة. فإني وإن كنت أعلم أن الله قد باعد الملك من الجور والاعتداء وإهلاك النفس البريئة بوشي الأشرار وتحميل الفجّار، فإني أحب أن لا يعجّل بأمر دون الفحص والترويه.

فبينما دمنة يقول معذرته إذ اعترض له أحد الحضور من بعض جلساء الملك فقال: أيها الملك إن دمنة ليس ما يقول تعظيماً لحق الملك ولا توفيراً لفضله، ولكنه يريد أن يدفع عن نفسه ما قد نزل به من سوء عمله.

قال دمنة: وهل، وليك، على امرئ في العذر لنفسه عيب؟ وهل أحد أقرب إلى الإنسان من نفسه؟ إذا لم يلتمس لها العذر فمن يلتمسه لها؟ وقد أحق بنصيحتي من نفسي، أو من أحق أن أنصح عنه منها؟ وقد قالت العلماء: إن المستهين لنفسه المبغض لها هو لغيرها أقطع وأبغض ولمن سواها أغش وأرفض. وقولك هذا مما يستدل به من حضر على قلة عقلك لما قلت ولجهالتك لما يدخل عليك فيه. ولقد ظهر منك ما لا تملكه من الحسد والبغضاء، وعرف من سمع قولك أنك لا تحب أحدا، وأنك عدو نفسك فمن سواها. فمثلك لا يصلح أن يكون إلا مع البهائم فضلاً من أن تحضر مجلس الملك أو تكون ببابه.

فلما سمع المقول له هذه المقالة من دمنة سكت فلم يحرْ جواباً وخرج مستحياً.

فقال أم الأسد لدمنة: إن من العجب انطلاقك بالقول مجيباً لمن تكلّم وقد كان منك ما كان.

قال دمنة: علام تنظرين بعين واحدة وتسمعين بأذن واحدة لشقاوة جدي؟ كذا كل شيء قد تنكّر وتغير. فليس ينطق أحد بحق ولا يقوم به ولا يتكلم إلا بالهوى. ومن بباب الملك لثقتهم به وطمأنينتهم إليه وتعطفه عليه لا يتّقون أن يتكلّموا بأهوائهم فيما رافق الحق أو خالفه وهو لا يغير عليهم ولا ينهاهم.

قالت أم الأسد: انظر إلى هذا الفاسق الفاجر الذي ركب الأمر العظيم كم يأخذ بأعين الناس ويبرّئ نفسه.

قال دمنة: إن الفاسق الفاجر من يذيع ولم يدفنه، والرجل الذي يلبس لباس المرأة والمرأة التي تلبس لباس الرجل، والضيف الذي يزعم أنه رب البيت، ومن ينطق في مجتمع عند الملك بما لا يسأل عنه.

قالت أم الأسد: يا شقي، أما تعلم من نفسك سوء عملك ومكرك وفجورك.

قال لها دمنة: الشقي الذي يرتكب المنكر ولا يريد لأحد خيراً ولا يدفع عن نفسه المكروه.

قالت أم الأسد: أيها الخائن الفاجر، إنك لتجترئ على مثل هذا القول. عجباً للملك أن يتركك حياً.

قال دمنة: إن الخائن الفاجر الذي يؤتى بالنصيحة ويمكّن من عدوه ثم لا يشكر ذلك ولا يعرفه لمن أتاه به، ولكن يريد قتله على غير ذنب.

قالت أم الأسد: لسمع موعظتك وضربك الأمثال لمن كلّمك أعجب عندي من الذي سلف من خلابتك ومكرك وحسدك.

قال دمنة: هذا موضع العظة إن قبلت وموضع الأمثال إن نفعت.

قالت أم الأسد: أيها الغادر الفاجر إن في سوء عملك لشاغلاً لو عقلت من ضرب الأمثال.

قال دمنة: إنما الغادر من أخاف من عمل في أمنه وعادى من كشف له عداوة أعدائه.

قالت أم الأسد: كأنك ترجو أيها الكاذب أن تنجو بتسطير المقال مما اجترمت.

قال دمنة: إن الكاذب من كافى بالإحسان إساءة بالخير شراً وبالأمن خوفاً. وأما أنا فقد أنجزت ما وعدت ووفيت العهد.

قالت أم الأسد: ما وعد الذي أنجزت وعهدك الذي وفيت؟

قال دمنة: سيدى يعلم أني لو كنت كاذباً لم أجترىء على الكلام عنده بالباطل وانتحال الكذب.

فلما رأت أم الأسد أن كلام دمنة لا يزيد الأسد إلا لينا ارتابت وداخلها الخوف شفقاً على أن يرى بعض ما يقول دمنة في براءته وعذره فقالت للأسد: إن الصمت على حجج الخصم لشبيه بالإقرار بحقيقة ما يقول. ومن هنالك قالت العلماء: أقرّ صامت. ثم قامت وهي غضبانة تريد الخروج.

فأمر الأسد بدمنة فجعلت الجامعة في عنقه وحبس وأمر بالفحص عنه.

فقالت أم الأسد له: إني لم أزل أسمع بمكر دمنة منذ زمان، ثم حقق عندي ما سمعت من إفكه وافتعاله المعاذير وكثرة مخارجه بغير صدق ولا براءة. فإنك إن أمكنته من الكلام دافعك عن نفسه بالحجج الكاذبة. وفي قتله لك ولجنودك راحة عظيمة، فاجل قتله. ولا تأخذك فيه هوادة ولا توقفك عنه شبهة؛ فإن الصغير والكبير من جندك عرفوا بنميمة دمنة وعلموا بفضائحه خاصة في أمر البريء الناصح وخير الوزراء شتربة. فقد استعاد الكذب وهو منه خلقٌ راسخٌ وطبيعة لازمة. والراحة لك ولجندك ترك المناظرة والقتل له بذنبه.

قال الأسد: إن من شأن بطانة الملوك وقرابتهم التنافس في المنازل بينهم ودخول البغي والحسد من بعضهم على بعض ولا سيما على ذي الرأي والنبالة منهم لخاصته. وقد علمت أن مكان دمنة قد ثقل على غير واحد من جنودي وأهلي، فلست أدري لعلّ الذي أرى وأسمع من جماعتهم وإجماعهم عليه لبعض ذلك. وأنا أكره العجلة في أمره. فإن العلق الصالح لا يستهلك إلا في حقه وموقع القدر فيه لمن استهلكه. ولا أجدني معذوراً باتباع نفسي والمعاجلة له دون الفحص والثبات. ولكن كوني بخير واسلمي فإني قد بدا لي من الرأي ما ينبغي.

فانصرفت أم الأسد بسكون جأشها وطيب نفسها وأخذ الأسد مضجعه.

ولما أدخل دمنة السجن وغلظ عليه الوثاق أخبر كليلة أن دمنة دق ردّ إلى السجن فداخلته له رقة وأدركته فيه رحمة لطول الصحبة والممالحة والإخاء الذي كان بينهما. فانطلق له مستصفياً حتى لقيه في السجن. فبكى كليلة لما نظر إليه وإلى ما هو فيه من الغم والضيق والبلاء، ثم قال له: إن ما أنت فيه لكافيك من عظتي، ولكن لا يمنع ذلك إنذارك والنصيحة لك. فإن لكل مقال موضعاً. ولو كنت قصّرت في عظتك حين احتجت إلى ذلك مني في حال العاقبة لكنت اليوم شريكك في الذنب، ولكن الإعجاب بنفسك دخل بك مدخلاً قهر رأيك وغلب على عقلك. وقد كنت أضرب لك مثلاً قول العلماء: "إن المحتال يموت قبل أجله"، وليس قولهم "يموت قبل أجله"، انقطاع الحياة، ولكنهم أرادوا دخول الأشياء التي تفسد الحياة كنحو ما أنت فيه مما الموت أروح منه.

قال دمنة: لم تزل منذ كنت تقول الحق بجهدك وقد كنت تعظني وتنصحني ولكنّ شدة النفس والحرص على طلب المنزلة فيّلا رأيي وسفّها نصحك عندي، كالمريض المولع بالطعام الذي عرف أنه يغلّط مرضه ويضرّ بجسمه فيدع معرفته وينقاد لشهوته. وقد عرفت أني زرعت لنفسي هذا البلاء، والزرع إنما ينبت لأوانه وزمانه وإن تقدم في زرعه. وهذا أوان حصاد ما زرعت لنفسي. وإنما يشتد عليّ البلاء لخوفي أن تتهم في أمري لما كان بيني وبينك، وأخاف مع ذلك إن بسطت عليك العقوبة أن تعترف بما كنت اطّلعت عليه من أمري. وأما الأخرى فإنك ممن لا يتهم في صدق مقالته على البعيد فكيف على من منزلته مثل منزلتي.

قال كليلة: عرفت، وقالت العلماء إن الأجساد لا تصبر على حلول العذاب ولا تمتنع عنده من القول بكل ما تستطيع أن تدفعه. وإني لأرى إذ نزلت بك هذه النازلة أن تبوء بذنبك وتعترف بإساءتك فتخرج نفسك من تبعة الآخرة بالتوبة مما صنعت، فإنك لا محالة هالك. فلا تجمع على نفسك هلاك العاجل والآجل. ولخير لك أن تعذّب في الدنيا بجرمك من أن تعذّب في جهنّم مع الإثم.

فقال دمنة: صدقت ونصحت وأنا مفكر فيما ذكرت. ولكن العمل فيه شاق مهول وعقاب الأسد شديد أليم.
فانصرف كليلة إلى منزله مغموماً تحدس نفسه بكل بلاء وشر. فلم يزل كذلك حتى هاج عليه بطنه فمات قبل أن يصبح. وكان في السجن فهد محبوس كان نائماً قريباً من دمنة وكليلة حتى اجتمعا في السجن، فاستيقظ بكلامهما فسمع كل ما دار بينهما من معاتبة كليلة لدمنة على سوء فعله وإقرار دمنة بإثمه فحفظ ذلك وكتمه فلم يذكره.

فأصبحت أم الأسد فذكرت للأسد أمر دمنة وعذره وقالت: إن استبقاء الفجار بمثابة قتل الأبرار، وإن من استبقى فاجراً شاركه في فجوره أو برّا شاركه في برّه.

فلما سمع الأسد كلام أمه أمر القاضي والنمر بتعجيل النظر في أمر دمنة والمسألة عنه في عامة الناس، وأن يرفعا إليه ما يلحق بدمنة من ذنب أو سبيل، وما ادعى دمنة من عذر ومخرج.

فخرج النمر والقاضي نظران في ذلك من أمره وبعثا إلى دمنة من يأتي به. فلما أتوا به توسط محفل مجلسهم فانتصب قائماً فهجر النر بصوته وقال: إنكم قد علمتم معشر الجند ما دخل على الملك من الحزن في قتل شتربة شفقاً من أن يكون أحد أنهى إليه باطلاً في أمره وشبّه عليه دمنة بالكذب في السعاية به. وقد نصبا للنظر في ذلك، وأنتم محقون ألا تكتموه سراً ولا تذّخروه نصحاً ولا تخفوا عليه جرماً. فليقل كل امرئ منكم بما يعلم وليتكلم به على رؤوس الجمع والأشهاد، فإنه لا يجب أن تفرط بده بعقوبة أحد لهوىً له أو لغيره من غير استحقاق المعاقب للعقوبة بجنايته.

قال القاضي: قد سمعتم الذي قيل لكم فلا ينبغي لأحد منكم كتمان شيء مما علم من خصال ثلاث: إحداهن الصدق فيما استشهدتم عليه وألا تجعلوا العظيم من الحق صغيراً. فأي عظيم أعظم من ستر ذنب من أورط الأخيار واستزلهم وأهلك بعضهم ببعض بسعايته كذباً وميناً. فالكاتم عليه ليس بريئاً من ضرّ جنايته ولا بعيداً من أن يكون شريكاً له في عمله. والثانية معاقبتنا المذنب مقمعة لأهل الريبة، مصلحة للملك والرعية. والثالثة أن الأشرار إذا نفوا من الأرض زاد ذلك الرعية تواصلاً والصالحين سروراً وأهل التناصح اغتباطاً. فليقل كل امرئ منكم ما علم لكيما يكون القضاء في ذلك على الحق لا على الهوى والظن.

فلما قصّ قائلهم قوله سكت من حضر فلم ينطق منهم أحد بكلمة لأنهم لم يعلموا من أمره علماً واضحاً يتكلمون به، وكرهوا القول بالظنون خوفاً من أن يدخل قولهم حكماً أن يوقع قتلاً. فلما رأى دمنة سكوتهم تكلم فقال: إني لو كنت مجرماً لسررت بسكوتكم عن القول في أمري إذ لم تعلموا لي جرماً لأن كل من لم يعلم له جرماً فلا سبيل عليه، فهو البريء المعذور. ولك قول عاقبة عاجلة أو آجلة. فمن عرّضني لعطب بغير علم أو قال في أمري بالشبهة والظن أصابه من عاقبة قوله ما أصاب المتطبب الذي انتجب علم ما لما علم له به.

قال القاضي: وكيف كان ذلك؟







شـريـف
مؤسس المنتدى
مؤسس المنتدى

ذكر
مصر

عدد المشاركات :: 7335

تاريخ التسجيل :: 07/05/2010

قصة رد: كتاب كليلة ودمنة

مُساهمة من طرف شـريـف في 6/7/2011, 6:17 pm

مثل المتطبب الكاذب

قال دمنة: زعموا أنه كان ببعض مدائن السند متطبب ذو وفق وعلم، كثير الحظوة فيما يجري على يديه من أسباب العافية فيما يعالج به الناس من طبّه وأدويته. فمات ذلك المتطبب وانتفع الناس بما في كتبه. وإن رجلاً سفيهاً ادعى علم الأدوية وأشاع ذلك في الناس. وكان لملك تلك المدينة ابنة لها داء ثقيل فبعث الملك يطلب الأطباء فذكر له متطبب على رأس فراسخ يوصف بعلم الطب فبعث إليه. فلما جاءه الرسول وجده قد ذهب بصره من الكبر، فذكروا له علة الجارية وما تجد، فوصف لها دواء له اسم معروف يقال له زمهران. فقالوا له: اخلط لنا هذا الدواء. قال: لست أبصر لأجمع أخلاطه على معرفتي. فأتاهم ذلك السفيه المدعي علم الطب فأعلمهم أنه عارف بذلك الدواء، عالم بالأخلاط والعقاقير، بصير بطبائع الأدوية المفردة والمركّبة. فأمر الملك بإخراج كتب المتطبب الميت إليه وإدخاله الخزانة ليأخذ مما فيها من أخلاط الأدوية. فلما دخل وعرضت عليه أخلاط الأدوية وهو لا يدري ما هي ولا معرفة له بها، أخذ منها أشياء بغير علم ولا معرفة إلا على الظن والشبهة فوقع في سم قاتل، فأخذه وخلطه بأخلاطه تلك ثم سقى الجارية، فلم تلبث إلا ساعة حتى ماتت. فأخذه الملك فسقاه من دوائه الذي خلطه فمات لوقته.

قال دمنة: إنما ضربت لكم هذا المثل لتعرفوا ما يدخل على القاتل بالجهالة والعامل بالشبهة من الإثم. ثم تكلم سيد الخنازير صاحب مائدة الملك إتباعاً لهوى أم الأسد، فقال: إن أحق من لم يسأل عنه العامة ولم يشكل أمره على الخاصة لهذا الشقي الذي قد ظهرت فيه علامات الشر وسمات الفجور وقد عرف العلماء ما الحكم فيها.

قال رأس القضاة: وما تلك العلامات والسمات؟ فأطلعنا على ما ترى في صورة هذا الشقي. فجهر سيد الخنازير بصوته وقال: إن العلماء قد قالوا: إن من صغرت عينه اليسرى وهي لا تزال تختلج، ومال أنفه بعض الميل إلى شقّه الأيمن وبعد ما بين حاجبيه، وكانت منابت شعر جسده ثلاث شعرات ثلاث شعرات، وإذا مشى كان أكثر نظره إلى الأرض ويلتفت تارة بعد تارة، فإن ذلك مستجمع للغدر وطباع الآثام والبغي على الصالحين. وهذه العلامات كلها في دمنة.

فلما قضى قوله أكثر دمنة التعجب من كلامه وقال: إن الأمور يحكم بعضها بعضاً وإن حكم الله صواب لا خطأ فيه ولا جور فيه ولا عدوان. ولو كانت هذه العلامات التي ذكرتها وأشباهها يناب بها عن العدل والمعرف بالحق، لم يتكلف الناس الحجج ولم كان جزاء أهل الإحسان وجزاء أهل الفجور إلى على هذه العلامات. وهذا لم يوجب عليّ شيئاً لأن هذه العلامات تخلق مع صاحبها حين يخلق وتولد معه حين يولد. وإن كنت تزعم أن الخير والشر إنما يكونان بالعلامات فكذلك إذاً لا حمد للمحسن ولا ذمّ على المسيء، ولا أجدني في هذا أيضاَ إلا معذوراً، ولا أراك تنطق إلا بعذري وتذكر براءتي وأنت لا تدري ولا تفكر فيما تقول وإنما أنت في هذا كرجل قال لامرأته: أبصري عيبك يا سفيهة ثم عيبي غيرك.

فسُئِل دمنة كيف كان ذلك؟







شـريـف
مؤسس المنتدى
مؤسس المنتدى

ذكر
مصر

عدد المشاركات :: 7335

تاريخ التسجيل :: 07/05/2010

قصة رد: كتاب كليلة ودمنة

مُساهمة من طرف شـريـف في 6/7/2011, 6:18 pm


مثل الرجل والمرأتين

قال دمنة: زعموا أن مدينة كانت تدعى بورخشت دخلها الأعداء مرة فقتلوا ممن كان فيها عالماً وسبوا نساءهم واقتسموا السبي. فأصاب جندي من العدو رجلاً حرّاثاً مع امرأتين. فكان ذلك الرجل يعرّيهم من الكسوة ويصومهم عن المطعم والمشرب. فانطلق الحرّاث يوماً من الأيام مع الرجل والمرأتين ليحتطبوا فوجدت إحداهما خرقة فاستترت بها فقالت الأخرى لبعلها: ألا تنظر إلى هذه كيف تمشي بخرقتها. فقال زوجها: ويلك ألا تبصرين نفسك فتستري مثلها ثم تكلمي.

فأمرك أنت أعجب فيما قد عرفت من قذارة جسمك ونجاستك وجرأتك على ذلك من الدنو إلى طعام الملك والقيام عليه وبين يديه كالبريء من العيب والنقيّ من الدنس، ولست بالمطلع على عيبك دون أهل العقل من أهل المجلس. ولم يمنعني من إبداء عيبك قبل اليوم إلا مودة كانت ما بيني وبينك. فأما إذ قد طعنت عليّ وابتدأتني بالظلم لما انطويت عليه من عداوتي وقذفتني على غير علم بالباطل بمحضر الجند، فإني قائل بما أعلم من عيبك مبدي الذي أخفيت من دنسك الذي لم يكن معه داع أن تخدم الملك ولا أن تخدم الذي تحته. فحقّ على من عرفك حق المعرفة أن يمنع الملك من استعمالك ويدفعه إلى عزلك عن طعامه.

فلما سمع سيد الخنازير ذلك من دمنة كفّ وتلجلج لسانه واستحيا وكفّ جميع من حضر من الجمع عن القول في شيء من أمره.

وكان بين الحضور شعهر قد جرّبه الأسد فوجد فيه أمانة وصدقاً فاتخذه في خدمته وأمره أن يحفظ جميع ما يجري بينهم ويطلعه عليه. فدخل على الأسد وأعلمه بحديثهم من أوّله إلى آخره دون أن يكتم عنه شيئاً. فلما سمع الأسد ذلك أمر بعزل سيد الخنازير عن عمله ومنعه من الدخول عليه ورؤية وجهه، ثم أمر بدمنة أن يردّ إلى السجن. وكتب ما جرى في محاكمته وختم عليه النمر.

وكان لكليلة في حاشية الأسد صديق يدعى روزبة بينه وبين كليلة إخاء ومودة. وكان عند الأسد وجيهاً وعليه كريماً، فانطلق إلى دمنة وأخبره بموت كليلة الذي قضى إشفاقاً من أن يتلطّخ بشيء من أمر أخيه وحذراً عليه. فبكى دمنة وحزن وقال: ما أصنع بالدنيا بعد مفارقة الأخ الرحيم والصديق الحميم. لقد صدق القائل إن الإنسان إذا ابتلي ببليّة أتاه الشر من كل جانب واكتنفه الهم والحزن من كل مكان. ثم التفت إلى روزبة قائلاً: ولكن أحمد الله تعالى إذ لم يمت كليلة حتى أبقى لي أخاً مثلك. قد وثقت بنعمة الله وإحسانه إليه فيما رأيت من اهتمامك بي ومراعاتك إياي. وقد علمت أنك رجائي وركني فيما أنا فيه. فأريد من فضلك أن تنطلق إلى مكان كذا وكذا فتنظر ما جمعته أنا وأخي كليلة بحيلتنا وسعينا ومشيئة الله تعالى فائتنا به.

ففعل روزبة بما أمره دمنة وأتى بمال كثير وضعه بين يديه. فأعطاه دمنة أكثره وقال: إنك على الدخول والخروج على الأسد إذا شئت أقدر من غيرك فتفرّغ لشأني واصرف اهتمامك إليّ واسمع ما أذكر به عند الأسد إذا رفع إليه ما جرى بيني وبين الخصوم، وما يبدو من أم الأسد من حقي، وما ترى من موافقة الأسد لها ومخالفته إياها في أمري، واحفظ ذلك كله وأعلمني به.

فأخذ روزبة ما أعطاه دمنة وانصرف إلى منزله.

فلما أصبح الأسد من الغد جلس حتى إذا مضى من النهار ساعات استأذن علي أصحابه فأذن لهم فدخل القاضي وطائفة من الوجوه ووضعوا بين يديه كتاب ما قال دمنة في معاذيره. فقبض الأسد ذلك الكتاب وأمرهم بالانصراف عنه.

ثم أرسل إلى أمه فقرأ عليها ذلك الكتاب فشقّ عليها ما سمعت ونادت بأعلى صوتها: إن أنا أغلظت لك أيها الملك فلا تغضب.

قال الأسد: لست أغضب فقولي ما أحببت.

قالت: ما أراك تعرف ما يضرّك مما ينفعك. وإني لأحسب دمنة في طول تصريفك النظر في أمره سيهيّج عليك ما لا تقعد له ولا تقوم. ولهذا كنت أنهاك عن سماع كلام هذا المجرم المسيء لدينا قديماً الغادر بذمتنا. ثم قامت وخرجت وهي غضبانة.

فخرج روزبة في إثرها مسرعاً حتى أتى دمنة فأخبره بما قالت أم الأسد. فلما كان في الغد بعث القاضي إلى دمنة فأخرجه وشاور عليه ثم قال: يا دمنة قد أنبأني بخبرك الأمين الصادق وليس ينبغي لنا أن نفحص عن شأنك أكثر من هذا لأن العلماء قالوا إن الله تعالى جعل الدنيا سبباً ومصداقاً للآخرة، ولأنها دار الرسل والأنبياء الدالين على الخير الهادين إلى الجنة الداعين إلى معرفة الله تعالى. وقد ثبت شأنك عندنا وأخبرنا عنك من وثقنا بقوله. إلا أن سيدنا الأسد أمرنا بالعود إلى أمرك والفحص عن شأنك وإن كان عندنا بيّناً.

قال دمنة: أراك أيها القاضي لم تتعوّد العدل في القضاء وليس في عدل الملوك دفع المظلومين ومن لا ذنب لهم إلى قاض غير عادل، بل يأمرون بمحاكمتهم والذود في حقوقهم. والعلماء لم يقولوا في حقي شيئا.

فقال له القاضي: إنه وإن سكت جميع من حضرك ولم يقولوا شيئاً فإن ظنونهم قد اجتمعت على أنك مجرم ولا خير لك في الحياة بعد استقرار تهمتك في قلوبهم، فلا أرى شيئاً خيراص لك من الإقرار بذنبك فتخرج لعتقك من تبعة الآخرة ويعود لك حسن قول في أمرك لخصلتين: إحداهما قوتك على المخارج وافتعال المعاذير التي تدفع بها عن نفسك، والأخرى إقرارك بذنبك اختياراً للسلامة في الآخرة عن سلامة الدنيا. فإن العلماء قد قالت: إن الموت فيما يجمل خيرٌ من الحياة فيما يقبح.

فأجابه دمنة: إن القضاة لا تقضي بظنونها ولا بظنون العامة ولا الخاصة. وقد علمت أن الظن لا يغني من الحق شيئاً. فإني وإن ظننتم جميعاً أني صاحب هذا الجرم فإني أعلم بنفسي منكم، وعلمي بنفسي يقين لا شك فيه. وإنما قبح أمري في أنفسكم لأنكم ظننتم أني سعيت بغير زوراً، فما عذري عندكم لو سعيت بنفسي كاذباً عليها فأسلمتها لتقتل على معرفة ببراءتها؟ فهي أعظم الأنفس عليّ حرمة وأكرمها حقا. ولو فعلت ذلك بأدناكم أو أقصاكم لم يسعني ذلك في ديني ولم يجمل بي في خلقي. فاكفف إذن عني هذه المقالة. فإن كانت هذه منك نصيحة فقد أخطأت موضعها، وإن كمانت منك خديعة فإن أقبح الخداع ما فطن له. وليس الخداع ولا المكر من أخلاق صالح القضاة. وإلا فاعلم أن قولك هذا حكم منك وسنة لأن كل أمر أمرت به القضاة يحكم بصوابه أهل الصواب ويتخذونه سنة ويصير خطأه عدلاً لأهل الأدغال. وإن من شقاء جدي أيضاَ أنك لم تزل في أنفس الناس فاضلاً في رأيك وفي حكمك حتى أنسيت ذلك في أمري فتركت علم القضاة وانصرفت إلى العمل بالظنون التي تختلف بها الحالات في الأمور. أو ما بلغك عن العلماء أنهم قالوا: من ادعى علم ملا لا يعلم وشهد بالغيب أصابه ما أصاب البازيار القاذف عبد مولاه.
قال القاضي: وكيف كان ذلك؟

قال دمنة: زعموا أنه كان في بعض المدن رجل من المرازبة مذكور وكان له عبد صالح جعله وكيله يأتمنه على كل خزائنه. وكان للرجل بازيار ماهر خبير بسياسة البزاة وعلاجها. وكان البازيار عند المرزبان بمكان جليل بحيث أدخله داره وأجلسه مع أهله. فاتفق أن البازيار حسد عبد الرجل وفكّر له الشر ليطرده مولاه. فعمل الحيلة في بلوغ غرضه فضاقت عليه أبواب الحيل وتعذّرت عنه الأسباب. فخرج يوماً إلى الصيد على عادته، فأصاب فرخي ببغاء فأخذهما وجاء بهما إلى منزله ورباهما، فلما كبرا فرّق بينهما وجعلهما في قفصين وعلّم أحدهما أن يقول: رأيت الوكيل يختلس مال سيده خفية. وعلّم الآخر أن يقول: هذا صحيح ثم أدبهما على ذلك مدة حتى حذقاه وأتقناه.

فلما بلغ منهما ما أراده إلى أستاذه. فلما رآهما أعجباه ونطقا بين يديه فأطرباه. إلا أنه لم يعمل ما يقولان لأن البازيار كان علّمهما ذلك بلغة العجم التي يجهلها المرزبان. وكان هذا مولعاً بالببغاءين يلهو بهما. وحظي البازيار عنده بذلك حظوة عظيمة وأمر امرأته بالمراعاة لهما والاحتياط عليهما والتعاهد لطعامهما وشربهما.

واتفق بعد مدة أن قدم على المرزبان قوم من أعاظم أعاجم بلخ فتأنق لهم بالطعام والشراب وقدم لهم من اصناف الفواكه والتحف شيئاً كثيراً. ولما فرغوا من الأكل وشرعوا في الحديث أشار إلى البازيار أن يأتي بالببغاءين فأحضرهما. فلما صاحا بين يديه وسمعهما الضيوف عرفوا ما يقولان ونظر بعضهم إلى بعض.

فسألهم الرجل عما قالتا فامتنعوا أولا، فألح عليهم بالسؤال إلى أن أقروا قائلين: إنما تقولان كذا وكذا بحق عبدك وكيل أموالك. فلما قالوا ذلك أمرهم المرزبان أن يكلموا الطيرين بغير ما نطقا به ففعلا ذلك ولم يجدوهما تعرفان غير ما تكلمتا به، وبان للرجل والجماعة براءة الوكيل مما رمي به وثبت كذب البازيار الذي علمهما ذلك فانتهره الوكيل: أيها العدو لنفسه أأنت رأيتني أختلس مال سيدي وأخفيه؟ قال: نعم أنا رأيتك. فلما قا لذلك وثب باز عن يده إلى عينيه ففقأهما. فقال العبد. بحق أصابك هذا، إنه لجزاء من الله تعالى لشهادتك بما لم تره عيناك.

وإنما ضربت لك هذا المثل أيها القاشي لتزداد علماً بوخامة عاقبة الشهادة بالكذب في الدنيا والآخرة. فلما سمع القاضي والحضور احتجاج دمنة كتبوا ذلك كله ورفعوه إلى الأسد، فنظر فيه ودعا أمه فعرض ذلك عليها فكان من قولها أن قالت: لقد صار اتهامي بأن يحتال لك دمنة بمكره ودهائه حتى يتلك أن ينقض عليك أمرك أعظم من اهتمامي بما سلف من ذنبه إليك من الغش والسعاية بوزيرك وصفيّك حتى قتلته بغير ذنب. فوقع قولهما في نفس الأسد فقال لها: أخبرني عن الإنسان الذي أنبأك بما سمع من كلام كليلة ودمنة، فإن قتلته ذلك حجة على دمنة.

قالت: إني أكره أن أفشي سراً استظهرت عليه بركوب ما نهت عنه العلماء من كشف الأسرار، ولكني سأطلب إلى الذي ذكر لي ذلك أن يحللني من ذكره لك أو أن يفوه هو بما علم وما سمع.

ثم انصرفت فأرسلت إلى النمر فأتاها، فذكرت له فضل منزلته عند الأسد وما يحق عليه من تربيته وحسن معاونته على الحق وإخراج نفسه من الشهادة التي لا يكتمها مثله مع ما يحق عليه من نصرة المظلومين والمعاونة على تثبيت حجّتهم يوم القيامة. فلم تزل به حتى جاء فشهد على دمنة بما سمع من كلامه وكلام كليلة.

ولما شهد النمر على دمنة بذلك، أرسل الفهد المسجون الذي سمع قول كليلة لدمنة ليلة دخل عليه في السجن أن عندي شهادة فأخرجوني لها. فبعث إليه الأسد فشهد على دمنة بما سمع من قول كليلة وتوبيخه إياه بدخوله بين الأسد والثور بالكذب والنميمة حتى قتله الأسد وإقرار دمنة بذلك.

قال له الأسد: فما منعك أن تكون أعلمتنا بشهادتك عن دمنة حين سمعت ذلك منه.

قال الفهد: منعني من ذلك أن شهادتي وحدي لم تكن توقع حكماً ولا تحجّ خصماً، فكرهت القول في غير منفعة.

فاجتمعت على دمنة شهادتان فأرسلهما الأسد إلى دمنة ثم بكّته الشاهدان في وجهه بمقالته فأمر به الأسد فغلّظ عليه الوثاق ثم ترك في السجن حتى مات جوعاً. فهذا ما صار إليه أمر دمنة وكذلك تكون عواقب البغي ومواقع أهل الحسد والكذب.







شـريـف
مؤسس المنتدى
مؤسس المنتدى

ذكر
مصر

عدد المشاركات :: 7335

تاريخ التسجيل :: 07/05/2010

قصة رد: كتاب كليلة ودمنة

مُساهمة من طرف شـريـف في 6/7/2011, 6:18 pm

مثل التاجر وامرأته واللص

قال الوزير: زعموا أنه كان تاجر كثير المال وهو شيخ مسن له امرأة شابة وكان كلفاً بها يعتني بأمرها وأمر ولدها. وكانت هي قالية له لكبر سنه فتعرض عن خدمته. وكان التاجر يعلم ما في نفسها فلا يزيده ذلك إلا حباً لها. ثم إن سارقاً أتى بيت التاجر ليلة، فلما دخل البيت وجد التاجر نائماً وامرأته مستيقظة، فذعرت من السارق ووثبت إلى زوجها واستجارت به والتزمته. فاستيقظ التاجر بالتزامها فقال: من أين لي هذه النعمة؟ ثم بصر السارق وعلم أن فرق امرأته من السارق دعاها إلى للياذ به، فناداه فقال: أيها السارق أنت في حلّ مما أردت أخذه من مالي ومتاعي ولك الفضل بما عطفت عليّ قلب زوجتي.

ثم إن الملك سأل الثالث من وزرائه عن الغراب، فقال: "أرى أن تستبقيه وتحسن إليه فإنه خليق أن يناصحك. فإن ذا العقل يرى ظفراً حسناً معاداة بعض معدوّه بعضاً، ويرى اشتغال بعض العدوّ ببعض واختلافهم نجاة لنفسه منهم كنجاة الناسك من اللص والشيطان لما اختلفا عليه".

قال الملك: وكيف كان ذلك؟

قال الوزير: زعموا أن ناسكاً أصاب من رجل بقرة حلوباً، فانطلق بها يقودها إلى منزله فتبعه لصّ يريد سرقتها، وصحبته شيطان في صورة إنسان. فقال اللص للشيطان: من أنت؟ قال: أنا شيطان أريد أن أختطف نفس هذا الناسك إذا نام الناس فأخنقه وأذهب بنفسه. وسأل الشيطان اللص: وأنت من أنت؟ قال: أنا لص. فإني أريد أن أتبعه إلى منزله لعلي أسرق هذه البقرة. فانطلقا مصطحبين حتى انتهيا مع الناسك إلى منزله ممسيين. فدخل الناسك وربط البقرة في زاوية المنزل ثم تعشى ونام. فأشفق اللص إن بدأ الشيطان بأخذ نفس الناسك قبل أن يأخذ البقرة أن يصيح الناسك فيجتمع الناس لصوته فلا يقدر على سرقة البقرة، فقال له: انتظرني حتى أخرج البقرة ثم عليك بالرجل. فأشفق الشيطان إن بدأ اللص أن يستيظ الناسك فيصيح ويجتمع الناس إليه فلا يقدر على أخذه، فقال: بل انتظرني حتى آخذ الناسك وشأنك وبالبقرة. فأبى كل واحد على صاحبه، فلم يزالا باختلفافهما حتى نادى اللص الناسك أن استيقظ أيها الناسك فهذا شيطان يريد أخذك. وناداه الشيطان أن استيقظ أيها الناسك فهذا اللص يريدد أخذ بقرتك. فانتبه الناسك وجيرانه بصوتهما فنجا منهما ولم يقدرا على ما أرادا وهرب الخبيثان خائبين.

فلما فرغ الثالث من كلامه قال الأول الذي كان قد أشار بقتل الغراب: "أراكنّ قد غرّكن هذا الغراب وخدعكن بكلامه وتضرّعه، فأنتن تردن تضييع الرأي والتغرير بجسم الأمر، فمهلاً مهلاً عن هذا الرأي، وانظرن ذوي الألباب الذي يعرفون أمورهم وأمور غيرهم، فلا يلقكنّ عن رأيكن فتصبحن كالمعجزة الذين يغترون بما يسمعون أشد تصديقاً منه بما يعلمون، وكالنجار الذي كذّب ما ر أى وعلم وصدّق ما سمع فاغترّ وانخدع".

قال الملك: وكيف كان ذلك؟

مثل الناسك والفأرة المحوّلة جارية

قال البوميّ: زعموا أن ناسكاً عابداً كان مستجاب الدعوة. فبينما هو قاعد على شاطئ النهر إذ مرت به حدقة في رجلها درصة. فوقعت من رجلها عند الناسك فأدركته لها رحمة، فأخذه ولفها في ردنه وأراد أن يذهب بها إلى منزله، ثم خاف أن يشقّ على أهله تربيته فدعا ربه أن يحولها جارية فأعطيت حسنا وجمالا، فانطلق بها الناسك إلى بيته فقال لامرأته: هذه يتيمة فاصنعي بها صنيعك بولدك. ففعلت ذلك حتى إذا بلغت اثنتي عشرة سنة قال لها: يا بنية فقد أدركت ولا بد لك من زوج فاختاري من أحببت من إنسيّ أو جني أقرنك به. قال: أريد زوجاً قوياً شديداً. فقال لعلك تريدين الشمس. فقال للشمس: هذه جارية جميلة هي عندي بمنزلة الولد زوّجتكما لأنها طلبت زوجاً قوياً منيعا.

قالت الشمس: أنا أدلك على من هو أقوى ني: السحاب الذي يغطي نوري ويغلب عليه. فانصرف الناسك إلى السحاب فقال له مثل تلك المقالة، فقال له السحاب: أنا أدلك على من هو أقوى مني وأشد: الريح التي تقبل بي وتدبر. فانصرف الناسك إلى الريح فقال لها مثل مقالته: فقالت الريح: أنا أدلك على من هو أقوى مني: الجبل الذي لا أستطيع له تحريكاً. فانصرف الناسك إلى الجبل فقال له مثل مقالته تلك، فقال الجبل: أنا أدلك على من هو أقوى مني: الجرذ الذي يثقبني فلا أستطيع الامتناع عنه. قال الناسك للجرذ هل أنت متزوج هذه الجارية؟ فقال له: كيف أتزوجها وأنا صغير ومسكين ضيق والجرذ يقترن بالفأرة. فطلبت الجارية إلى الناسك أن يدعو ربه ليحوّلها فأرة، فأجابها إلى ذلك ودعا ربه فتحولت فأرة ورجعت إلى أصلها الأول فتزوجها الجرذ. فهذا مثلك أيها المخادع.

فلم يلتفت ملك البوم ولا غيره إلى هذه المقالة، ورفقت البوم بالغراب فلم يردن إلا إكرامه، حتى استأنس بهن ونبت ريشه وسمن وصلح، وعلم ما أراد أن يعلم، واطلع على ما أراد أن يطلع عليه الغربان، فطار سراً وعاد إلى أصحابه فأخبرهم بما رأى وسمع، فقال لملك الغربان: أبشرك بفراغي مما أردت الفراغ منه وإنما بقي ما قبلكم فإن أنت جددتم وبالغتم في أمركم فهو الفراغ من ملك البوم وجنده.

فقال ملك الغربان: نحن عند أمرك فمرنا بما بدا لك.

قال الغراب: إن البوم بمكان كذا وكذا، وهن يجتمعن بالنهار في مكان كذا وكذا من الجبل، وقد علمت مكاناً فيه الحطب اليابس كثيراً فليحمل كل غراب منكم ما استطاع من ذلك الحطب إلى باب الثقب الذي فيه البوم بالنهار. وقرب ذلك الجبل قطيع غنم، فإني أمضي آخذ منه ناراً فآتي بها باب الثقب فأقذّفها في الحطب المجموع. ثم تعاونوا فلا تفتروا واضربوا بأجنحتكم ضرباً ترويحاً ونفخاً للنار حتى تضرم في الحطب، فما خرج من البوم احترق بالنار وما بقي مات بالدخان.

ففعلوا ذلك فأهلكوا البوم ثم رجعوا إلى أوطانهم آمنين سالمين. ثم إن ملك الغربان قال لذل الغراب: كيف صبرت على صحبة البوم ولا صبر للأخيار على صحبة الأشرار؟

قال الغراب: إن ذلك كذلك، ولكن العاقل إذا نابه الأمر العظيم المفظع الذي يخاف منه الجائحة الجائفة على نفسه وقومه لم يخرج من شدة الصبر عليه رجاء عاقبته، ولم يجد لذلك مساً ولم تكره العيشة مع من هو دونه حتى يبلغ حاجته وهو حامد لغبّ أمره، مغتبطٌ لما كان من أمر رأيه واصطباره.

قال الملك: أخبرني عن عقول البوم.

قال الغراب: لم أجد فيهن عاقلاً إلا الوزير الذي كان يحرص على قتلي ويحرضهن على ذلك مرارا. فكنّ أضعف شيء رأياً، إذ لم ينظرن في أمري ولم يذكرن أنني كنت ذا منزلة في الغربان أعد من ذوي الرأي. فلم يتخوّفن مني المكر والحيلة. فأخبرهن الحازم الناصح المطّلع على ما في نفسي برأيه، وأشار عليهن بالنصح لهنّ فرددن رأيه فلا هن عقلن ولا من ذي العقل قبلن، ولا حذرنني ولا حصّنّ أسرارهن دوني. وقد قالت العلماء: ينبغي للملك أن يحصّن دون المتهم أسراره وأموره فلا يدنو من مواضع أسراره وأموره وكتبه ولا من الماء والحوض الذي يعدّ لغسله ولا من فراشه ودثره ولا من كسوته ولا من مراكبه ولا من سلاحه ولا من طعامه وشرابه ولا من دوائه ولا من ذهبه وطيبه ورياحينه، ولا يؤمّن على نفسه إلا الثقة الأمين السالم الباطن والظاهر ويكون بعد ذلك كله على حذر منه، لأن عدوه لا يتوصل إليه إلا من جهة ثقاته. وربما كان الثقة صديقاً لعدوه فيصل العدو إلى مراده منه.

قال ملك الغربان: لم يهلك ملك البوم عندي إلا بغيه وضعف رأيه وموافقته لوزراء السوء.

قال الغراب: صدقت. فإنه كان يقال: قلّ ما ظفر أحد بغنى ولم يطغ. وقلما حرص الرجل على النساء فلم يفتضح. وقلّ من أكثر من الطعام ولم يسقم. وقلّ من ابتلي بوزراء السوء فلم يقع في المهالك. وكان يقال: لا يطمعنّ ذو الكبر في الثناء الحسن، ولا الخبّ في كثرة الصديق، ولا السيء الأدب في الشرف، ولا الشحيح في البرّ، ولا الحريص في قلة الذنوب، ولا الملك المختال المتهاون الضعيف الوزراء في ثبات ملكه.

قال ملك الغربان: لقد احتملت مشقة شديدة بتصنعك للبوم وتضرّعك لهن.

قال الغراب: لقد كان ذلك كذلك ولكن صبرت على ذلك لما رجوت من حسن منفعته، لأنه يقال: لا يكبر على الرجل حمل عدوّه على عاتقه إذا وثق بحسن عاقبته. وقد قيل: إنه من احتمل مشقة يرجو لها منفعة صبر على ذلك، كما صبر الأسود على حمل الضفدع على ظهره.

قال الملك: وكيف كان ذلك؟







شـريـف
مؤسس المنتدى
مؤسس المنتدى

ذكر
مصر

عدد المشاركات :: 7335

تاريخ التسجيل :: 07/05/2010

قصة رد: كتاب كليلة ودمنة

مُساهمة من طرف شـريـف في 6/7/2011, 6:19 pm


مثل الأسود وملك الضفادع

قال الغراب: زعموا أن أسودَ كبر وهرم فلم يستطع صيداً ولم يقدر على طعام فدبّ يلتمس المعيشة لنفسه حتى انتهى إلى غدير ماء كثير الضفادع قد كان يأتيه ويصيد من ضفادعه، فوقع قريباً من الغدير شبيهاً بالحزين الكئيب. فقال له ضفدع. ما شأنك أراك كئيباً حزيناً؟ قال: ما لي لا أكون حزيناً إنما كان أكثر معيشتي مما كنت أصيد من الضفادع، فابتليت ببلاء حرّمت عليّ الضفادع حتى لو لقيت بعضها على بعض لم أجترئ على أكله. فانطلق الضفدع فبشر ملكه بما سمع من الأسود، فدنا الملك من الأسدو فقال له: كيف كان أمرك هذا؟ فقال الأسود: لا أستطيع أن آخذ من الضفادع شيئاً إلى ما يتصدق به علي الملك. قال: ولم؟ قال: إني سعيت في أثر ضفدع منذ ليال لأخذها فطردتها إلى بيت مظلم لرجل من النساك فدخلته ودخلت في إثرها. وفي البيت مدّ ابنُ الناسك إصبعه فظننتها الضفدع فلسعتها فمات فخرجت هارباً وتبعني الناسك ودعا عليّ وقال: كما قتلت ابني البريء ظلماً أدعو عليك أن تذلّ وتخزى وتصير مركباً لملك الضفادع وتحرم عليك الضفادع، فلا تستطيع أكلها إلى ما تصدق به عليك ملكها. فأقبلت إليك لتركبني مقراّ بذلك راضياً. فرغب ملك الضفادع في ركوب الأسود، وظن أن ذلك له شرف ورفعة. فركب الأسود أياماً ثم قال له الأسود: قد علمت أني ملعون محروم لا أقدر على التصيّد. إلا ما تصدقت به عليّ فاجعل لي رزقاً أعيش به. قال الملك: لعمري لا بد لك وأنت لي مركب من رزق تعيش به. فأمر له كل يوم بضفدعتين يؤخذان فيدفعان إليه، فعاش بذلك. ولم يضرّه خضوعه للعدو الذليل، بال انتفع بذلك وصار له معيشة ورزقاً.

وكذلك كان صبري على ما صبرت عليه التماس هذا النفع العظيم الذي جعل لنا فيه بوار العدو والراحة منه.

قال الملك: وجدت ضراعة اللين والمكر أشد استئصالاً للعدو من صرعة المكابرة والعناد، فإن النار الخفيفة تقوى بحرّها وحدّتها على أن تحرق ما فوق الأرض من الشجر الكبار. والماء بلينه ونفوذه يقتلعها من أصلها تحت الأرض، وكان يقال: في أربعة لا يستقلّ منها القليل: النار والمرض والعدو والدّين.

قال الغراب: ما كان من ذلك فبسعادة جدّ الملك ورأيه فإنه قد كان يقال: إذا طلب اثنان حظاذ ظفر به أفضلهما مروءة. فإن استويا في المروءة فأمضاهما رأيا، فإذا استويا في ذلك فأفضلهما أعواناً، فإن استويا في ذلك فأسعدهما جدا. وقد كان يقال: من غالب الملك الحازم الأريب الذي لا تبطره السرّاء ولا تدهشه الضرّاء كان هو الداعي الحتف لنفسه. ثم لا سيما إذا كان مثلك أيها الملك العالم بالأمور وفرص الأعمال ومواضع الشدة واللين والغضب والرضا والمعالجة والأناة، الناظر في يومه وعواقب أعماله.

قال الملك: بر برأيك وعقلك كان هذا. فإن رأي الرجل الواحد أبلغ في إهلاك العدو من الجنود الكثيرة من ذوي البأس والنجدة والعدد والعدة. وإن من أعجب أمرك عندي طول لبثك عند البوم، وأنت تسمع الغلظ من كلامهم دون أن تسقط عندهم بكلمة.

قال الغراب: لم أزل متمسكاً بأدبك أيها الملك، فأصحب القريب والبعيد بالرفق واللين والمتابعة والموافقة، وأخضع لهم. وقد قيل: إذا كنت بين أعداء تخافهم ولا تقدر على ضرّهم فخذهم باللطف والتؤدة والخضوع، وإياك والغلظة فإنك لا تصيب بذلك ظفراً. وإنت سمعت منهم غليظ الكلام فغض عنه النظر. وقد قيل إن الرجل الكامل المشاور أهل النبل في الرأي والعقل إن رأى في بدء أمره وسمع من بشاعة اللفظ ومخالفة الهوى ما يكره وصبر على ذلك فإن ذلك يعقب منفعة وراحة وسروراً. وإنّ مشاورة من يتبع هوى المستشير ولم ينظر في عاقبة أمره وإن نال من العاجل فرحاً وروحاً فإن عاقبة أمره تصير إلى ضرر وخسران.

قال الملك: وجدتك صاحب العمل ووجدت غيرك من الوزراء أصحاب أقاويل ليست لها عاقبة حميدة. فقد منّ الله علينا بك منّة عظيمة لم نكن نجد قبلها لذة الطعام ولا النوم.

قال الغراب: إنه يقال: لا يجد السقيم لذة النوم ولا الطعام حتى يبرأ. ولا الرجل الشره الذي قد أطمعه السلطان في مال أو عمل حتى ينجزه له. ولا الرجل الذي قد ألحّ عليه عدوه، فهو يخافه صباحاً ومساءً حتى يستريح منه. وقد كان يقال: من أقلعت عنه الحمّى أراح قلبه. ومن وضع الحمل الثقيل أرح متنه. ومن أمن عدوّه ثلج صدره. فأسأل الله الذي أهلك عدوّك أن يمتعك بسلطانك وأن يجعل لك بعد ذلك صلاح رعيّتك ويشركهم في قرّة العين بملكك. فإن الملك إذا لم يكن في مملكته قرّة عيون رعيّته فمثله مثل زنمة العنز التي يمصّها الجدي فلا يصادف فيها خيراً.

قال الملك: كيف كانت سيرة ملك البوم في جنده؟

قال: سيرة بطر وأشر وختل وعجز وضعف رأي. وكل أصحابه ووزرائه كان شبيهاً به إلا الذي كان يشير بقتلي. فإنه كان حكيماً أريباً فيلسوفاً حازماً قلّما يرى مثله في علوّ الهمة وكمال العقل وجودة الرأي.

قال: وأيّ خلّة رأيت كانت أدلّ لك على عقله؟

قال الغراب: خلّتان، الواحدة رأيه في قتلي والأخرى أنه لم يكن يكتم صاحبه نصيحة وإن استقلّها، ولم يكن كلامه مع هاتين كلام خرق ولا مكابرة، ولكن كلام رف ولين حتى ربما أخبره بعيبه وهو لا يغضبه، وإنما يضرب له الأمثال ويحدّثه عن عيب غيره فيعضر به عيب نفسه، ولا يجد للغضب عليه سبيلاً.

وكان مما سمعته يقول للملك أن قال: لا ينبغي للملك أن يغفل عن أمره فإنه أمر جسيم لا يظفر به إلا القليل، ولا تقابله إلا بالحزم. وهو إذا فات لم يدرك. فينبغي للملك أن يكون متفقداً لأموره ذا حزم فيها. فإن لم يحسن ولايته ورعايته قلّت راحته وهدوّه، كالقرد الذي يُرى لأدنى حركة قلقاً. والملك عزيز عزوف، فمن ظفر به فليحسن حفظه وتحصينه. فإنه قد قيل: إنه في قلة بقائه مثل قلة بقاء الظل على ورق النيلوفر، وفي قلة ثباته كاللبيب مع اللئيم، وفي مراقبته كالتنين. وهو في سرعة الإقبال والإدبار كالريح، وفي الثقل كصحبة البغيض، وفيما يخاف من مفاجأة عطبة كالحية، وفي سرعة الذهاب كحباب الماء من وقع المطر. وفي قلة ما يستمع به وينال منه كحاكم يغنى في رقدته، فلما هبّ لم يجد عليه حلمه. فأهلك الله أعداء الملك وأدال منهم ولا زال في عليا وصنع وتوفيق.

فهذا مثل أهل العداوة الذين ينبغي العاقل أن لا يغترّ بهم وإن هم أظفروا تودداً وضراعةً.







شـريـف
مؤسس المنتدى
مؤسس المنتدى

ذكر
مصر

عدد المشاركات :: 7335

تاريخ التسجيل :: 07/05/2010

قصة رد: كتاب كليلة ودمنة

مُساهمة من طرف شـريـف في 6/7/2011, 6:19 pm

مثل التاجر وبنيه

كان في أرض دستبا تاجر مكثرٌ وكان له بنون. فلما أدركوا أسرعوا في إتلاف مال أبيهم ولم يحترفوا حرفة يصيبون بها مالاً. فلامهم أبوهم ووعظهم فكان من عظته لهم أن قال: يابنيِّ، إن صاحب الدنيا يطلب ثلاثة أمور لن يدركها إلا بأربعة أشياء. أما الثلاثة التي تطلب فالسعة في المعيشة والمنزلة عند الناس والبلغة إلى الآخرة. وأما الأربعة التي لا تصاب الثلاثة إلا بها فاكتساب المال من معروف وجهه، ثم حسن القيام على ما اكتسب منه والتثمير له بعد اكتسابه، ثم إنفاقه فيما يصلح به المرء معيشته ويرضي به الأهل والإخوان، ويعود عليه في الآخرة نفعه, ثم التوقي لجميع الآفات جهده. فمن أضاع شيئاً من هذه الخلال الأربع لم يدرك ما أراده، لأنه إن لم يكن ذا مال وذا اكتساب، ثم لم يصلح ماله ولم يحسن القيام عليه أوشك أن ينفذ ويبقى بلا مال. وإن هو أنفقه ولم يثمّر لم تمنعه قلة الإنفاق من سرعة النفاد كالكحل الذي إنما يؤخذ منه على الميل مثل الغبار، ثم هو مع ذلك سريع النفاذ. وإن هو اكتسبه وأصلحه وثمّره ثم أمسك عن إنفاقه في وجوهه ومنافعه كان ممن يعد فقيراً لا مال له، ثم لم يمنع ذلك أن يفارقه ويذهب حيث لا يريد بالمقادير والعلل، كمحبس الماء الذي لا يزال ينصبّ إليه ولم يكن له مغيض ومخرج يخرج منه بقدر ما يفضل عنه انبثق بثقاً لا يصلح، فذهب الماء ضياعاً وفساداً.

ثم إن بني التاجر اتعظوا وأخذوا بأمر أبيهم فانطلق كبيرهم في تجارة متوجهاً إلى أرض يقال لها متور. فمر على طريقه ذلك بمكان فيه وحل شديد ومعه عجله يجرها ثوران يقال لأحدهما شتربة وللأخر بندبة. فوحل شتربة في ذلك الوحل فعالجه الرجل وأعوانه فلم يقدروا على إخراجه، فذهب التاجر وخلّف عنده رجلا وأمره أن يقوم عليه أياماً حتى إذا نشف الوحل أخرجه وأتبعه به.

فلما أن كان الغد من ذلك اليوم ضجر الرجل بمكانه فلحق بالتاجر وترك الثور وأخبره أنه قد مات، وقال له إن الإنسان إذا انقضت مدته وحانت منيته فهو وإن اجتهد في التوقي من الأمور التي يخاف فيها على نفسه الهلاك لم يغنِ ذلك عنه شيئاً وربما عاد اجتهاده في توقيه وحذره وبالاً عليه.

مثل الرجل الهارب من الموت

كالذي قيل إن رجلاً سلك مفازة فيها خوف من السباع وكان الرجل خبيراً بوعث تلك الأرج وخوفها. فلما سار غير بعيد اعترض له ذئب من أحد الذئاب وأضراها. فلما رأى الرجل أن الذئب قاصد نحوه اشتد وجعله ونظر يميناً وشمالاً ليجد موضعاً يتحرّز فيه من الذئب فعاين قرية على شاطئ نهر خلف واد فقصدها.

فلما انتهى إلى النهر لم يجد عليه قنطرة ليقطعه والذئب كان يدركه فقال: كيف أمتنع من الذئب والنهر عميق وأنا لا أحسن السباحة على أني ألقي نفسي في الماء. فلما نزل في النهر كاد يغرق فرآه قوم من أهل القرية فأرسلوا إليه من استخرجه وقد أشرف على الهلكة فنجا من الذئب ومن الغرق. ثم رأى على شاطئ الوادي بيتاً منفرداً فقال أدخل هذا البيت فأستريح فيه. فلما دخله وجد جماعة من اللصوص قد قطعوا الطريق على رجل من التجار وهم يقتسمون ماله ويريدون قتله. فخاف الرجل على نفسه ومضى نحو القرية فأسند ظهره إلى حائط من حيطانها ليستريح مما حل به من الهول والإعياء، فسقط الحائط عليه فقتله. قال التاجر: صدقت وقد بلغني هذا الحديث.

ثم إن الثور المدعو شتربة انبعث من مكانه فلم يزل يدب حتى انتهى إلى مرج مخصب كثير الماء والكلإ فأقام فيه، فلم يلبث أن سمن وأمن فجعل يزأر ويخور ويرفع صوته بالخوار.

وكان قربه أسد هو ملك تلك الناحية، ومعه سباع كثيرة من الذئاب وبنات آوى والثعالب وسائر السباع. وكان الأسد مزهواً منفرداً برأيه، ورأيه غير كامل. فلما سمع الأسد خوار الثور، ولم يكن رأى ثوراً قط ولا سمع خواره، رعب وكره أن يفطن لذلك جنده فأقام بمكانه ذلك لا يبرح وجهاً. وكان ممن معه ابنا آوى يقال لأحدهما كليلة وللآخر دمنة، وكلاهما ذو أدب ودهاء. وكان دمنة شرّهما نفساً وأشدّهما تطلعاً إلى الأشياء، ولم يكن الأسد عرفهما. فقال دمنة لكليلة. ما ترى يا أخي شأن هذا الأسد مقيماً بمكان واحد لا يبرح ولا ينشط فيأتيه جنده كل يوم بطعامه؟ فقال كليلة: ما لك والمسألة عما ليس من شأنك؟ أما حالنا نحن فحال صدق ونحن بباب ملك واحد واجدين ما نأكل ولسنا من أهل الطبقة التي يتناول أهلها كلام الملوك وينظرون في أمورهم. فاسكت عن هذا واعلم أنه من تكلف من القول والفعل ما ليس من شأنه أصابه ما أصاب القرد.

قال دمنة: وكيف كان ذلك؟







شـريـف
مؤسس المنتدى
مؤسس المنتدى

ذكر
مصر

عدد المشاركات :: 7335

تاريخ التسجيل :: 07/05/2010

قصة رد: كتاب كليلة ودمنة

مُساهمة من طرف شـريـف في 6/7/2011, 6:20 pm

مثل الناسك واللص والثعلب وامرأة الإسكاف

قال كليلة: زعموا أن ناسكاً أصاب من بعض الملوك كسوة فاخرة فبصُرَ به لص من اللصوص فرغب في الكسوة التي كسيها الناسك، فانطلق إليه قائلاً: إني أريد أن أصحبك وأتعلم منك وآخذ من أدبك. فصحبه متشبّهاً بالنساك. وكان يرفق بالناسك ويتلطف في خدمته ويوقره حتى أصاب منه غفلة فاحتمل تلك الكسوة فذهب بها. فلما فقد الناسك الرجل والثياب عرف أنه صاحبه، فطلبه في مظانّه حتى توجه في طلبه نحو مدينة من المدائن. فمرّ في طريقه على وعلين يتناطحان فطال انتطاحهما حتى سالت الدماء منهما. فجاء الثعلب يلغ في تلك الدماء. فبينما هو مكبّ عليها إذ التفّ عليه الوعلان ينطحانه وهو غافل فقتلاه.

ومضى الناسك حتى انتهى إلى المدينة فدخلها ممسياّ. ولم يجد مأوىً ولا مبيتاً إلا بيت امرأة أرملة فنزل بها. وكان لتلك المرأة عبد يتاجر بمالها، فعرفت أنه يخونها ويضرها فاضطغنت عليه واحتالت لقتله ليلة أضافت الناسك. فسقّت العبد من الخمر صرفاً حتى غلب فنام. فلما استثقل نوما عمدت المرأة إلى سمّ كانت قد هيّأته فجعلته في قصبة لتنفخه في أنفه. فوضعت إحدى طرفي القصبة في أنفه والطرف الآخر في فيها. فبدره من قبل أن تنفخ في القصبة عطاس خرج من أنفه فطار ذلك السم في حلق المرأة فوقعت ميتة، وذلك كله بعين الناسك. ثم أصبح غادياً في طلب ذلك اللص فأضافه رجل إسكاف وقال لامرأته: انظري هذا الناسك فكرّميه وأحسني القيام عليه فإنه قد دعاني بعض أصحابي إلى دعوة. فاطلق الإسكاف.

وكان بين المرأة وزوجة رجل حجّام صداقة فأرسلت إليها تدعوها إلى وليمة وتخبرها أن زوجها عند أصحابه، وأنه لا يرجع إلا سكران في منتصف الليل، فلهمي لنقضي بعض ساعات في القصف. إلا أن الإسكاف عاد بعد قليل وطلب العشاء وكانت امرأته تقاعدت عن تهيئته لتستعد لاستقبال صديقتها امرأة الحجّام. فاعتذرت له فلم يقبل عذرها فأقبل عليها وضربها ضرباً مبرحاً وأوثقها إلى سارية في البيت وذهب ونام لا يعقل.

ثم جاءت امرأة الحجام بعد ساعة لمسامرة صديقتها امرأة الإسكاف فوجدتها مربوطة، فقالت لها: إن زوجي عاد قبل أوانه وربطني بهذه السارية فإن شئت أن تحسني إليّ وتحليّني ربطتك مكاني حتى أعد الوليمة كما وعدتك. ففعلت امرأة الحجام ذلك. فاستيقظ الإسكاف قبل رجوع امرأته فناداها في الظلام مراراً باسمها فلم تجبه امرأة الحجام مخافة أن يعرف صوتها. ثم دعاها وسمّاها مراراً. كل ذلك وامرأة الحجّام لا تجيبه فازداد غضبا، وقام إليها بالسكين واحتزّ أنفها وقال لها: خذا هذا جزاء عنادك، وهو لا يشك في أنها امرأته.

ثم رجعت امرأة الإسكاف فرأت صنع زوجها بامرأة الحجام فساءها ذلك وحلت وثاقها وأوثقت نفسها مكانها وأخذت الأخرى أنفها وانطلقت إلى بيتها خائبة. كل ذلك بعين الناسك وسمعه.

ثم إن امرأة الإسكاف رفعت صوتها فدعت ربها وتضرعت إليه وجعلت تبتهل وتقول: اللهم إن كان زوجي قد ظلمني فأعي عليّ أنفي صحيحاً. فقال لها زوجها: ما هذا الكلام يا ساحرة. فقالت: قم أيها الظالم فانظر إلى عملك وتغيير الله عليك ورحمته إياي، فها قد عاد إلي أنفي صحيحاً. فقام وأوقد ناراً ونظر إلى امرأته فوجد أنفها صحيحاً فباء بالذنب إلى ربه واعتذر إلى امرأته وسألها ان ترضى عنه.

أما امرأة الحجام فلما انتهت إلى بيتها حارت في أمرها وقالت: ما عذري عند زوجي وعند الناس في جدع أنفي؟ فلما كان السَّحر استيقظ زوجها فناداها أن ائتيني بمتاعي فإني أريد أن أحجم بعض أشراف المدينة. فلم تأته من متاعه بشيء إلا بالموسى. فغضب الحجام فرماها بالموسى في الظلمة فرمت بنفسها إلى الأرض وصرخت وولولت: أنفي.. أنفي. فلم تزل تصيح حتى جاء أهلها وذو قرابتها فانطلقوا بزوجها إلى القاضي فقال له: ما حملك على جدع أنف امرأتك؟ فلم يكن له حجة يحتج بها فأمر القاضي بالحجام أن يعاقب.

فلما قدّم للعقوبة قام الناسك فتقدم إلى القاضي وقال له: لا يشتبهنّ عليك أيها القاضي، فإن اللص ليس هو من سرقني، وإن الثعلب ليس الوعلان قتلاه، وإن الأرملة ليس السم قتلها، وإن امرأة الحجام ليس زوجها جدعها، بل نحن جميعاً فعلنا ذلك بأنفسنا. فسأله القاضي عن تفسير ذلك فأخبره، فأمر القاضي بإطلاق الحجام.

قال كليلة لدمنة: وأنت أيضا فإنما فعلت ذلك بنفسك.

قال دمنة: قد سمعت هذا المثل وهو شبيه بأمري. ولعمري ما ضرني أحد سوى نفسي، ولكن ما الحيلة الآن؟

قال كليلة: أخبرني أنت عن رأيك في ذلك؟

قال دمنة: أما أنا فلست ألتمس اليوم إلا أن أعود إلى منزلي. فإن خلالاً ثلاثاُ للعاقل حقيق بالنظر فيها والاحتيال له: منها النظر فيما مضى من الضر والنفع فيحترس من الضر الذي أصابه أن يعود إليه ويعمل الطيب لالتماس النفع الذي مضى عليه ويحتال لاستقباله. ومنها النظر فيما هو مقيم عليه من المنافع والمضار فيعمل في تلك المنافع والاستثمار منها لئلا تزول عنه، والخروج من تلك المضار جهده. ومنها النظر في مستقبل ما يرجو من قبل النفع وما يتخوف من قبل الضر ثم التأني لما يرجو من ذلك والتوقي لما يخاف منه. وإنما نظرت في الأمر الذي أرجو أن تعود به منزلتي التي كنت عليها فلم أجد لذلك إلا الاحتيال على الثور حتى يفارق الحياة. فإن ذلك صالح لأمري، وعسى مع ذلك أن أكون خيراً للأسد منه، فإنه قد أفرط في أمر الثور إفراطاً قد هجّن رأيه فأضغن عليه عامة قرائبه.

قال دمنة: بلى إن الأسد قد أغرم بالثور إغراما شديدا حتى استخف بغيره من نصحائه وقطع عنهم منافعه. وإنما يؤتى السلطان من قبل ستة أشياء: منها الحرمان والفتنة والهوى والفظاظة والزمان والخُرق. فأما الحرمان فإنه يحرم صالح الأعوان والنصحاء والساسة من أهل الرأي والنجدة والأمانة، ويبعد من هو كذلك منهم. وأما الفتنة فهو يجر الناس إلى وقوع الفتن والحرب بينهم. وأما الهوى فالإغرام بالنساء والحديث أو بالشراب أو بالصيد وما أشبه ذلك. وأما الفظاظة فإفراط الحدة حتى يجمح اللسان بالشتم واليد بالبطش في غير موضعهما. وأما الزمان فهو ما يصيب الناس من الشر والموتان والغربق ونقص الثمرات وأشباه ذلك. وأما الخرق فإعمال الشدة في موضع اللين، واللين في موضع الشدة. وغن الأسد قد أغرم بالثور إغراماً شديدا، وهو الذي ذكرت لك أنه خليق أن يشينه ويضره في أمره.

قال كليلة: وكيف تطيق الثور وهو أشد منك وأكرم على الأسد وأكثر أصدقاء.

قال دمنة: لا تنظرن إلى صغري وضعفي، فإن الأمور ليست تجري على القوة والشدة والضعف. وكم من صغير ضعيف قد بلغ بحيلته ودهائه ورأيه ما يعجز عن الأسد. أولم يبلغك أن غراباً احتال لأسود حتى قتله برفقه ورأيه.

قال كليلة: وكيف كان ذلك؟







    الوقت/التاريخ الآن هو 21/10/2014, 7:19 am